بَاب وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا
بَاب وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ؛ السَّلَمُ وَالسَّلَامُ وَالسِّلْمُ وَاحِدٌ 4591 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ ، فَلَحِقَهُ الْمُسْلِمُونَ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَقَتَلُوهُ ، وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ : عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ؛ تِلْكَ الْغُنَيْمَةُ . قَالَ : قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ : السَّلَامَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا السَّلَمُ وَالسَّلَامُ وَالسِّلْمُ وَاحِدٌ ) يَعْنِي أَنَّ الْأَوَّلَ بِفَتْحَتَيْنِ ، وَالثَّالِثَ بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ ، فَالْأَوَّلُ قِرَاءَةُ نَافِعٍ ، وَابْنِ عَامِرٍ ، وَحَمْزَةَ ، وَالثَّانِي قِرَاءَةُ الْبَاقِينَ ، وَالثَّالِثُ قِرَاءَةٌ رُوِيَتْ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ .
وَرُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ الْجَحْدَرِيِّ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ ، فَأَمَّا الثَّانِي فَمِنَ التَّحِيَّةِ ، وَأَمَّا مَا عَدَاهُ فَمِنَ الِانْقِيَادِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرٍو ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ سُفْيَانَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ كَذَا أَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ طَرِيقِهِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ ) بِالتَّصْغِيرِ ، وَفِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ : مَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ بِنَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَهُوَ يَسُوقُ غَنَمًا لَهُ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ .
قَوْلُهُ : ( فَقَتَلُوهُ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ : وَقَالُوا : مَا سَلَّمَ عَلَيْنَا إِلَّا لِيَتَعَوَّذَ مِنَّا . قَوْلُهُ : ( وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ ) فِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ : وَأَتَوْا بِغَنَمِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ قِصَّةً أُخْرَى قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَرِيَّةً فِيهَا الْمِقْدَادُ ، فَلَمَّا أَتَوُا الْقَوْمَ وَجَدُوهُمْ قَدْ تَفَرَّقُوا ، وَبَقِيَ رَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَقَتَلَهُ الْمِقْدَادُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَيْفَ لَكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ غَدًا . وَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ .
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهَا تَسْمِيَةُ الْقَاتِلِ ، وَأَمَّا الْمَقْتُولُ فَرَوَى الثَّعْلَبِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ نَحْوَهُ وَاللَّفْظُ لِلْكَلْبِيِّ ، أَنَّ اسْمَ الْمَقْتُولِ مِرْدَاسُ بْنُ نَهَيْكٍ مِنْ أَهْلِ فَدَكَ ، وَأَنَّ اسْمَ الْقَاتِلِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وَأَنَّ اسْمَ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ غَالِبُ بْنُ فَضَالَةِ اللَّيْثِيُّ ، وَأَنَّ قَوْمَ مِرْدَاسٍ لَمَّا انْهَزَمُوا بَقِيَ هُوَ وَحْدَهُ ، وَكَانَ أَلْجَأَ غَنَمَهُ بِجَبَلٍ ، فَلَمَّا لَحِقُوهُ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَقَتَلَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، فَلَمَّا رَجَعُوا نَزَلَتِ الْآيَةُ ، وَكَذَا أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ ، وَفِي آخِرِ رِوَايَةِ قَتَادَةَ : لِأَنَّ تَحِيَّةَ الْمُسْلِمِينَ السَّلَامُ بِهَا يَتَعَارَفُونَ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ فِي مِرْدَاسٍ وَهَذَا شَاهِدٌ حَسَنٌ . وَوَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا عَنْ غَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ شَيْءٌ آخَرُ ، فَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ ، وَمُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ ، فَمَرَّ بِنَا عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيُّ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمٌ فَقَتَلَهُ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ نَزَلَ الْقُرْآنُ فَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ . وَأَخْرَجَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ أَتَمَّ سِيَاقًا مِنْ هَذَا ، وَزَادَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ عَامِرٍ ، وَمُحَلِّمٍ عَدَاوَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَهَذِهِ عِنْدِي قِصَّةٌ أُخْرَى ، وَلَا مَانِعَ أَنْ تَنْزِلَ الْآيَةُ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا .
قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : ( قَالَ : قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ : السَّلَامَ ) هُوَ مَقُولُ عَطَاءٍ ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّهَا قِرَاءَةُ الْأَكْثَرِ ، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ شَيْئًا مِنْ عَلَامَاتِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَحِلَّ دَمُهُ حَتَّى يُخْتَبَرَ أَمْرُهُ ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ تَحِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَانَتْ تَحِيَّتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَكَانَتْ هَذِهِ عَلَامَةً . وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ السَّلَمِ عَلَى اخْتِلَافِ ضَبْطِهِ ، فَالْمُرَادُ بِهِ الِانْقِيَادُ ، وَهُوَ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِسْلَامِ فِي اللُّغَةِ الِانْقِيَادُ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِجْرَاءُ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى تَفَاصِيلَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .