بَاب وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو النُّعْمَانِ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ : كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُعَظِّمُونَهُ ، فَذَكَرَ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ ، فَحَدَّثْتُ بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ : فَضَمَّزَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِهِ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : فَفَطِنْتُ لَهُ فَقُلْتُ : إِنِّي إِذًا لَجَرِيءٌ إِنْ كَذَبْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَهُوَ فِي نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ . فَاسْتَحْيَا وَقَالَ : لَكِنْ عَمُّهُ لَمْ يَقُلْ ذَاكَ . فَلَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ فَسَأَلْتُهُ ، فَذَهَبَ يُحَدِّثُنِي حَدِيثَ سُبَيْعَةَ ، فَقُلْتُ : هَلْ سَمِعْتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِيهَا شَيْئًا ؟ فَقَالَ : كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ ، فَقَالَ : أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ وَلَا تَجْعَلُونَ عَلَيْهَا الرُّخْصَةَ ؟ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى : وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، وَأَبُو النُّعْمَانِ ) وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْمَعْرُوفُ بِعَارِمٍ ، كِلَاهُمَا مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ ، لَكِنْ ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ وَغَيْرُهُ فِي التَّعْلِيقِ ، وَأَغْفَلَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ مَعَ ثُبُوتِهِ هُنَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ بِلَفْظِهِ ، وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ مُحَمَّدٍ ) هُوَ ابْنُ سِيرِينَ . قَوْلُهُ : ( كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُعَظِّمُونَهُ ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ : جَلَسْتُ إِلَى مَجْلِسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فِيهِ عَظِمٌ مِنْ الْأَنْصَارِ . قَوْلُهُ : ( فَذَكَرُوا لَهُ ، فَذَكَرَ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ ) ؛ أَيْ ذَكَرُوا لَهُ الْحَامِلَ تَضَعُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا .
قَوْلُهُ : ( فَحَدَّثْتُ بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ) ؛ أَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَسَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قِصَّةَ سُبَيْعَةَ بِتَمَامِهَا ، وَكَذَا صَنَعَ أَبُو نُعَيْمٍ . قَوْلُهُ : ( فَضَمَّزَ ) بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَمِيمٍ ثَقِيلَةٍ وَزَايٍ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ، وَمَعْنَاهُ : أَشَارَ إِلَيْهِ أَنِ اسْكُتْ ، ضَمَّزَ الرَّجُلُ إِذَا عَضَّ عَلَى شَفَتَيْهِ . وَنُقِلَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهَا بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ؛ أَيِ انْقَبَضَ .
وَقَالَ عِيَاضٌ : وَقَعَ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ كَذَلِكَ ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ شُيُوخِ أَبِي ذَرٍّ وَكَذَا عِنْدَ الْقَابِسِيِّ بِنُونٍ بَدَلَ الزَّايِ ، وَلَيْسَ لَهُ مَعْنًى مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ . قَالَ : وَرِوَايَةُ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَصْوَبُ ، يُقَالُ ضَمَّزَنِي أَسْكَتَنِي ، وَبَقِيَّةُ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ . قَالَ : وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ : فَغَمَّضَ لِي ؛ أَيْ أَشَارَ بِتَغْمِيضِ عَيْنَيْهِ أَنِ اسْكُتْ .
قُلْتُ : الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ مَقَالَتَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوَجِّهَهُ بِذَلِكَ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : فَفَطِنْتُ لَهُ وَقَوْلُهُ : فَاسْتَحْيَا فَلَعَلَّهَا : فَغَمَزَ ؛ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ بَدَلَ الضَّادِ ، أَوْ : فَغَمَصَ ؛ بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ فِي آخِرِهِ ، أَيْ عَابَهُ . وَلَعَلَّ الرِّوَايَةَ الْمَنْسُوبَةَ لِابْنِ السَّكَنِ كَذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( إِنِّي إِذًا لَجَرِيءٌ ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ : إِنِّي لَحَرِيصٌ عَلَى الْكَذِبِ .
قَوْلُهُ : ( إِنْ كَذَبْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَهُوَ فِي نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ ) هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لَهُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ حَيٌّ . قَوْلُهُ : ( فَاسْتَحْيَا ) ؛ أَيْ مِمَّا وَقَعَ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( لَكِنَّ عَمَّهُ ) يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ( لَمْ يَقُلْ ذَاكَ ) كَذَا نَقَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْهُ ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ خِلَافَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، فَلَعَلَّهُ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ ، أَوْ وَهِمَ النَّاقِلُ عَنْهُ .
قَوْلُهُ : ( فَلَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ ) فِي رِوَايَةٍ ابْنَ عَوْفٍ : مَالِكُ بْنُ عَامِرٍ أَوْ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ بِالشَّكِّ ، وَالْمَحْفُوظُ مَالِكُ بْنُ عَامِرٍ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرُ مِنَ اسْمِهِ ، وَالْقَائِلُ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ كَأَنَّهُ اسْتَغْرَبَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَاسْتَثْبَتَ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ : فَلَمْ أَدْرِ مَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ فَسَكَتَ ، فَلَمَّا قُمْتُ لَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ . قَوْلُهُ : ( فَذَهَبَ يُحَدِّثُنِي حَدِيثَ سُبَيْعَةَ ) ؛ أَيْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ عَنْهَا . قَوْلُهُ : ( هَلْ سَمِعْتَ ) أَرَادَ اسْتِخْرَاجَ مَا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِمَا وَقَعَ عِنْدَهُ مِنَ التَّوَقُّفِ فِيمَا أَخْبَرَهُ بِهِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى .
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ ) ابْنِ مَسْعُودٍ ( فَقَالَ : أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا ) فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ : فَقَالَ أَبُو عَطِيَّةَ : ذَكَرَ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ : أَرَأَيْتُمْ لَوْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ وَلَمْ تَضَعْ حَمْلَهَا كَانَتْ قَدْ حَلَّتْ ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : فَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( وَلَا تَجْعَلُونَ عَلَيْهَا الرُّخْصَةَ ) فِي رِوَايَةِ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ : وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا وَهِيَ أَوْجَهُ ، وَتُحْمَلُ الْأُولَى عَلَى الْمُشَاكَلَةِ ؛ أَيْ مِنَ الْأَخْذِ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ سُورَةِ الطَّلَاقِ .
قَوْلُهُ : ( لَنَزَلَتْ ) هُوَ تَأْكِيدٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ بَيَانُهُ ، وَلَفْظُهُ : فَوَاللَّهِ لَقَدْ نَزَلَتْ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى ) ؛ أَيْ سُورَةُ الطَّلَاقِ بَعْدَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَالْمُرَادُ بَعْضَ كُلٍّ ، فَمِنَ الْبَقَرَةِ قَوْلُهُ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَمِنَ الطَّلَاقِ قَوْلُهُ : وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمُرَادُ ابْنُ مَسْعُودٍ إِنْ كَانَ هُنَاكَ نَسْخٌ فَالْمُتَأَخِّرُ هُوَ النَّاسِخُ ، وَإِلَّا فَالتَّحْقِيقُ أَنْ لَا نَسْخَ هُنَاكَ ، بَلْ عُمُومُ آيَةِ الْبَقَرَةِ مَخْصُوصٌ بِآيَةِ الطَّلَاقِ . وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ قَالَ : بَلَغَ ابْنَ مَسْعُودٍ أَنَّ عَلِيًّا يَقُولُ : تَعْتَدُّ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ ، فَقَالَ : مَنْ شَاءَ لَاعَنْتُهُ أَنَّ الَّتِي فِي النِّسَاءِ الْقُصْرَى أُنْزِلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، ثُمَّ قَرَأَ : وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَعُرِفَ بِهَذَا مُرَادُهُ بِسُورَةِ النِّسَاءِ الْقُصْرَى ، وَفِيهِ جَوَازُ وَصْفِ السُّورَةِ بِذَلِكَ .
وَحَكَى ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ قَالَ : لَا أَرَى قَوْلَهُ الْقُصْرَى مَحْفُوظًا ، وَلَا يُقَالُ فِي سُوَرِ الْقُرْآنِ قُصْرَى وَلَا صُغْرَى ، انْتَهَى . وَهُوَ رَدٌّ لِلْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ بِلَا مُسْتَنَدٍ ، وَالْقِصَرُ وَالطُّولُ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : طُولَى الطُّولَيَيْنِ وَأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ سُورَةَ الْأَعْرَافِ .