حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب فَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ

كِتَاب النَّفَقَاتِ 1 - بَاب فَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ ، وَقَوْلِ اللَّهِ عز وجل : وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَقَالَ الْحَسَنُ : الْعَفْوُ : الْفَضْلُ 5351 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، فَقُلْتُ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ - وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا - كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً . قَوْلُهُ : ( ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابُ النَّفَقَاتِ وَفَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ ) كَذَا لِكَرِيمَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَالنَّسَفِيِّ : كِتَابُ النَّفَقَاتِ ثُمَّ الْبَسْمَلَةُ ثُمَّ قَالَ : بَابُ فَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ وَسَقَطَ لَفْظُ : بَابٍ لِأَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ كَذَا لِلْجَمِيعِ ، وَوَقَعَ لِلنَّسَفِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ : قُلِ الْعَفْوَ ، وَقَدْ قَرَأَ الْأَكْثَرُ : قُلِ الْعَفْوَ ، بِالنَّصْبِ ، أَيْ : تُنْفِقُونَ الْعَفْوَ أَوْ : أَنْفِقُوا الْعَفْوَ ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو ، وَقَبْلَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةَ : قُلِ الْعَفْوُ ، بِالرَّفْعِ أَيْ : هُوَ الْعَفْوُ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ : مَاذَا رَكِبْتَ أَفَرَسٌ أَمْ بَعِيرٌ ؟ يَجُوزُ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحَسَنُ : الْعَفْوُ الْفَضْلُ ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الزُّهْدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَزَادَ : وَلَا لَوْمَ عَلَى الْكَفَافِ . وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : أَنْ لَا تُجْهِدَ مَالَكَ ثُمَّ تَقْعُدَ تَسْأَلُ النَّاسِ فَعُرِفَ بِهَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : الْفَضْلُ أَيْ : مَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَالِ فَيَمْحَقُهُ . وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، وَثَعْلَبَةَ سَأَلَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَا : إِنَّ لَنَا أَرِقَّاءَ وَأَهْلِينَ ، فَمَا نُنْفِقُ مِنْ أَمْوَالِنَا ؟ فَنَزَلَتْ .

وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ مِنْ إِيرَادِهَا فِي هَذَا الْبَابِ . وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَفْوِ مَا فَضَلَ عَنِ الْأَهْلِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ : الْعَفْوُ : الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ . وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْعَفْوُ : مَا لَا يَتَبَيَّنُ فِي الْمَالِ ، وَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّدَقَةُ .

فَلَمَّا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ كَانَ مَا جَاءَ مِنَ السَّبَبِ فِي نُزُولِهَا أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ ، وَلَوْ كَانَ مُرْسَلًا . ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ . الْأَوَّلُ : حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ وَهُوَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو .

قَوْلُهُ : ( عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ) تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ : أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، فَقُلْتُ : عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) الْقَائِلُ : فَقُلْتُ : هُوَ شُعْبَةُ ، بَيَّنَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، فَذَكَرَهُ إِلَى أَنْ قَالَ : عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ فَقَالَ : قَالَ شُعْبَةُ : قُلْتُ : قَالَ : عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ مُرَاجَعَةٍ ، وَذَكَرَ الْمَتْنَ مِثْلَهُ . وَفِي الْمَغَازِي عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَدِيٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَسْعُودٍ الْبَدْرِيَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ الْمَتْنَ مُخْتَصَرًا ، لَيْسَ فِيهِ وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا وَهَذَا مُقَيَّدٌ لِمُطْلَقِ مَا جَاءَ فِي أَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى الْأَهْلِ صَدَقَةٌ كَحَدِيثِ سَعْدٍ رَابِعِ أَحَادِيثِ الْبَابِ ، حَيْثُ قَالَ فِيهِ : وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ وَالْمُرَادُ بِالِاحْتِسَابِ الْقَصْدُ إِلَى طَلَبِ الْأَجْرِ ، وَالْمُرَادُ بِالصَّدَقَةِ الثَّوَابُ ، وَإِطْلَاقُهَا عَلَيْهِ مَجَازٌ ، وَقَرِينَتُهُ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الزَّوْجَةِ الْهَاشِمِيَّةِ مَثَلًا .

وَهُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَصْلُ الثَّوَابِ لَا فِي كَمَيِّتِهِ وَلَا كَيْفِيَّتِهِ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْأَجْرَ لَا يَحْصُلُ بِالْعَمَلِ إِلَّا مَقْرُونًا بِالنِّيَّةِ ، وَلِهَذَا أَدْخَلَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي مَسْعُودٍ الْمَذْكُورَ فِي : بَابِ مَا جَاءَ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ وَحَذَفَ الْمِقْدَارَ مِنْ قَوْلِهِ : إِذَا أَنْفَقَ لِإِرَادَةِ التَّعْمِيمِ ؛ لِيَشْمَلَ الْكَثِيرَ وَالْقَلِيلَ . وَقَوْلُهُ : عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَشْمَلَ الزَّوْجَةَ وَالْأَقَارِبَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَخْتَصَّ الزَّوْجَةَ وَيَلْحَقَ بِهِ مَنْ عَدَاهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّ الثَّوَابَ إِذَا ثَبَتَ فِيمَا هُـوَ وَاجِبٌ ، فَثُبُوتُهُ فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَوْلَى . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ : الْإِنْفَاقُ عَلَى الْأَهْلِ وَاجِبٌ ، وَالَّذِي يُعْطِيهِ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ بِحَسَبِ قَصْدِهِ ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِهَا وَاجِبَةً وَبَيْنَ تَسْمِيَتِهَا صَدَقَةً ، بَلْ هِيَ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ .

وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : النَّفَقَةُ عَلَى الْأَهْلِ وَاجِبَةٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا الشَّارِعُ صَدَقَةً خَشْيَةَ أَنْ يَظُنُّوا أَنَّ قِيَامَهُمْ بِالْوَاجِبِ لَا أَجْرَ لَهُمْ فِيهِ ، وَقَدْ عَرَفُوا مَا فِي الصَّدَقَةِ مِنَ الْأَجْرِ فَعَرَّفَهُمْ أَنَّهَا لَهُمْ صَدَقَةٌ ، حَتَّى لَا يُخْرِجُوهَا إِلَى غَيْرِ الْأَهْلِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَكْفُوهُمْ ؛ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ قَبْلَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : تَسْمِيَةُ النَّفَقَةِ صَدَقَةً مِنْ جِنْسِ تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ نِحْلَةً ، فَلَمَّا كَانَ احْتِيَاجُ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُلِ كَاحْتِيَاجِهِ إِلَيْهَا - فِي اللَّذَّةِ وَالتَّأْنِيسِ وَالتَّحْصِينِ وَطَلَبِ الْوَلَدِ - كَانَ الْأَصْلُ أَنْ لَا يَجِبَ لَهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ خَصَّ الرَّجُلَ بِالْفَضْلِ عَلَى الْمَرْأَةِ بِالْقِيَامِ عَلَيْهَا وَرَفَعَهُ عَلَيْهَا بِذَلِكَ دَرَجَةً ، فَمِنْ ثَمَّ جَازَ إِطْلَاقُ النِّحْلَةِ عَلَى الصَّدَاقِ ، وَالصَّدَقَةِ عَلَى النَّفَقَةِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث