بَاب مَنْ اكْتَوَى أَوْ كَوَى غَيْرَهُ وَفَضْلِ مَنْ لَمْ يَكْتَوِ
حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ ، فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، فَقَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ ، حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ ، قُلْتُ : مَا هَذَا ؟ أُمَّتِي هَذِهِ ؟ قِيلَ : بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ . قِيلَ : انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ ، فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلَأُ الْأُفُقَ ، ثُمَّ قِيلَ لِي : انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا - فِي آفَاقِ السَّمَاءِ - فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ الْأُفُقَ ، قِيلَ : هَذِهِ أُمَّتُكَ ، وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ ، ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ ، فَأَفَاضَ الْقَوْمُ وَقَالُوا : نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ ، فَنَحْنُ هُمْ ، أَوْ أَوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ . فَبَلَغَ النَّبِيَّ ، فَخَرَجَ فَقَالَ : هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ ، وَلَا يَكْتَوُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ .
فَقَالَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ : أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ : أَمِنْهُمْ أَنَا ؟ قَالَ : سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ . قَوْلُهُ : ( عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ . قَوْلُهُ : ( حُصَيْنٌ ) بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيِّ ، وَعَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ ) ، كَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ مَوْقُوفًا ، وَوَافَقَهُ هُشَيْمٌ ، وَشُعْبَةُ ، عَنْ حُصَيْنٍ عَلَى وَقْفِهِ ، وَرِوَايَةُ هُشَيْمٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَمُسْلِمٍ ، وَرِوَايَةُ شُعْبَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ تَعْلِيقًا ، وَوَصَلَهَا ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ ، وَلَكِنْ قَالَا : عَنْ بُرَيْدَةَ بَدَلَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَخَالَفَ الْجَمِيعَ مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ فَرَوَاهُ مَرْفُوعًا وَقَالَ : عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : عَنْ حُصَيْنٍ ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَكَذَا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ : عَنْ حُصَيْنٍ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الشَّعْبِيِّ اخْتِلَافًا آخَرَ ، فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ ابْنِ ذَرِيحٍ بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ بِوَزْنِ عَظِيمٍ ، فَقَالَ : عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ وَرَفَعَهُ ، وَشَذَّ الْعَبَّاسُ بِذَلِكَ ، وَالْمَحْفُوظُ رِوَايَةُ حُصَيْنٍ مَعَ الِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ ، وَهَلْ هُوَ عَنْ عِمْرَانَ أَوْ بُرَيْدَةَ ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ عِنْدَهُ عَنْ عِمْرَانَ وَعَنْ بُرَيْدَةَ جَمِيعًا .
وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ عَنِ الْبُخَارِيِّ قَالَ : حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلٌ ، وَالْمُسْنَدُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ أَوْرَدَ حَدِيثَ الشَّعْبِيِّ اسْتِطْرَادًا وَلَمْ يَقْصِدِ إِلَى تَصْحِيحِهِ ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي حَذْفِ الْحُمَيْدِيِّ لَهُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ أَصْلًا . ثُمَّ وَجَدْتُ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْمُصَنِّفُ : إِنَّمَا أَرَدْنَا مِنْ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، عَنْ عِمْرَانَ مُرْسَلٌ . وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ .
قَوْلُهُ : ( لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ ، قَالَ ثَعْلَبٌ وَغَيْرُهُ : هِيَ سُمُّ الْعَقْرَبِ ، وَقَالَ الْقَزَّازُ : قِيلَ : هِيَ شَوْكَةُ الْعَقْرَبِ ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : إِنَّهَا الْإِبْرَةُ الَّتِي تَضْرِبُ بِهَا الْعَقْرَبَ وَالزُّنْبُورَ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْحُمَةُ كُلُّ هَامَةٍ ذَاتِ سُمٍّ مِنْ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ . وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ مَرْفُوعًا : لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ نَفْسٍ ، أَوْ حُمَةٍ ، أَوْ لَدْغَةٍ ، فَغَايَرَ بَيْنَهُمَا ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى أَنَّ الْحُمَةَ خَاصَّةٌ بِالْعَقْرَبِ ، فَيَكُونُ ذِكْرُ اللَّدْغَةِ بَعْدَهَا مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ .
وَسَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِ الرُّقْيَةِ فِي بَابِ رُقْيَةِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ بَعْدَ أَبْوَابٍ ، وَكَذَلِكَ ذِكْرُ حُكْمِ الْعَيْنِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ . قَوْلُهُ : ( فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ) الْقَائِلُ ذَلِكَ حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ هُشَيْمٌ ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، فَقَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ . وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ بِزِيَادَةِ قِصَّةٍ ، قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ : أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ ؟ قُلْتُ : أَنَا .
ثُمَّ قُلْتُ : أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ ، وَلَكِنْ لُدِغْتُ . قَالَ : وَكَيْفَ فَعَلْتَ ؟ قُلْتُ : اسْتَرْقَيْتُ . قَالَ : وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ ؟ قُلْتُ : حَدِيثٌ حَدَّثَنِاهُ الشَّعْبِيُّ ، عَنْ بُرَيْدَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ .
فَقَالَ سَعِيدٌ : قَدِ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ ، ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( وعُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ ) سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : حَتَّى وَقَعَ فِي سَوَادٍ ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِوَاوٍ وَقَافٍ ، وَبِلَفْظِ : فِي ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ : حَتَّى رُفِعَ بِرَاءٍ وَفَاءٍ ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ فِي جَمِيعِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الرُّقْيَةِ بَعْدَ قَلِيلٍ ، وَكَذَلِكَ يَأْتِي الْقَوْلُ فِي الطِّيَرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .