بَاب لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ
) كِتَاب الدَّعَوَاتِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ 1 - بَاب لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ 6304 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا ، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ . قَوْلُهُ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾، كِتَابُ الدَّعَوَاتِ ، بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ دَعْوَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْوَاحِدَةُ وَالدُّعَاءُ الطَّلَبُ ، وَالدُّعَاءُ إِلَى الشَّيْءِ الْحَثُّ عَلَى فِعْلِهِ ، وَدَعَوْتُ فُلَانًا سَأَلْتُهُ وَدَعَوْتُهُ اسْتَغَثْتُهُ ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى رِفْعَةِ الْقَدْرِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - : لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ كَذَا قَالَ الرَّاغِبُ ، وَيُمْكِنُ رَدُّهُ إِلَى الَّذِي قَبْلَهُ وَيُطْلَقُ الدُّعَاءُ أَيْضًا عَلَى الْعِبَادَةِ . وَالدَّعْوَى بِالْقَصْرِ الدُّعَاءُ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ وَالِادِّعَاءُ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - : فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا وَقَالَ الرَّاغِبُ : الدُّعَاءُ عَلَى التَّسْمِيَةِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - : لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا وَقَالَ الرَّاغِبُ : الدُّعَاءُ وَالنِّدَاءُ وَاحِدٌ ، لَكِنْ قَدْ يَتَجَرَّدُ النِّدَاءُ عَنْ الِاسْمِ ، وَالدُّعَاءُ لَا يَكَادُ يَتَجَرَّدُ .
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى مَا مُلَخَّصُهُ : جَاءَ الدُّعَاءُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى وُجُوهٍ مِنْهَا الْعِبَادَةُ ، وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ وَمِنْهَا الِاسْتِغَاثَةُ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ وَمِنْهَا السُّؤَالُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وَمِنْهَا الْقَوْلُ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَالنِّدَاءُ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ وَالثَّنَاءُ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ قَوْلُهُ : وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ الْآيَةَ ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ : دَاخِرِينَ وَهَذِهِ الْآيَةُ ظَاهِرَةٌ فِي تَرْجِيحِ الدُّعَاءِ عَلَى التَّفْوِيضِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الْأَفْضَلُ تَرْكُ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِسْلَامُ لِلْقَضَاءِ وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ بِأَنَّ آخِرَهَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدُّعَاءِ الْعِبَادَةُ لِقَوْلِهِ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ . ثُمَّ قَرَأَ : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي الْآيَةَ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْحَاكِمُ . وَشَذَّتْ طَائِفَةٌ فَقَالُوا : الْمُرَادُ بِالدُّعَاءِ فِي الْآيَةِ تَرْكُ الذُّنُوبِ ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ أَنَّ الدُّعَاءَ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَةِ فَهُوَ كَالْحَدِيثِ الْآخَرِ الْحَجُّ عَرَفَةُ أَيْ مُعْظَمُ الْحَجِّ وَرُكْنُهُ الْأَكْبَرُ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ وَقَدْ تَوَارَدَتِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ .
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ وَحَدِيثُهُ رَفَعَهُ : مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْبَزَّارُ ، وَالْحَاكِمُ ، كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ الْخُوزِيِّ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ، ثُمَّ زَايٍ عَنْهُ ، وَهَذَا الْخُوزِيُّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَقَوَّاهُ أَبُو زُرْعَةَ ، وَظَنَّ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّهُ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ ، فَجَزَمَ بِأَنَّ أَحْمَدَ تَفَرَّدَ بِتَخْرِيجِهِ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، فَقَدْ جَزَمَ شَيْخُهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ بِمَا قُلْتُهُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ ، وَالْحَاكِمِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْخُوزِيِّ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ الطِّيبِيُّ : مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يُبْغِضْهُ ، وَالْمَبْغُوضُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ ، وَاللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ انْتَهَى ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ : سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ : إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ ، فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ . وَفِي سَنَدِهِ لِينٌ ، وَقَدْ صَحَّحَهُ مَعَ ذَلِكَ الْحَاكِمُ .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاءُ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ فِيهِ عَنْعَنَةَ بَقِيَّةٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ . وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ : الْأَوْلَى حَمْلُ الدُّعَاءِ فِي الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ عِبَادَتِي فَوَجْهُ الرَّبْطِ أَنَّ الدُّعَاءَ أَخَصُّ مِنَ الْعِبَادَةِ ، فَمَنِ اسْتَكْبَرَ عَنِ الْعِبَادَةِ اسْتَكْبَرَ عَنِ الدُّعَاءِ ، وَعَلَى هَذَا فَالْوَعِيدُ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ تَرَكَ الدُّعَاءَ اسْتِكْبَارًا ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَفَرَ ، وَأَمَّا مَنْ تَرَكَهُ لِمَقْصَدٍ مِنَ الْمَقَاصِدِ ، فَلَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ الْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ ، وَإِنْ كُنَّا نَرَى أَنَّ مُلَازَمَةَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنْهُ أَرْجَحُ مِنَ التَّرْكِ لِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الْحَثِّ عَلَيْهِ . قُلْتُ : وَقَدْ دَلَّتِ الْآيَةُ الْآتِيَةُ قَرِيبًا فِي السُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ الْإِجَابَةَ مُشْتَرَطَةٌ بِالْإِخْلَاصِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ - تَعَالَى - : فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَقَالَ الطِّيبِيُّ : مَعْنَى حَدِيثِ النُّعْمَانِ : أَنْ تُحْمَلَ الْعِبَادَةُ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ ، إِذِ الدُّعَاءُ هُوَ إِظْهَارُ غَايَةِ التَّذَلُّلِ وَالِافْتِقَارُ إِلَى اللَّهِ وَالِاسْتِكَانَةُ لَهُ وَمَا شُرِعَتِ الْعِبَادَاتُ إِلَّا لِلْخُضُوعِ لِلْبَارِي وَإِظْهَارِ الِافْتِقَارِ إِلَيْهِ وَلِهَذَا خَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ عَدَمِ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ بِالِاسْتِكْبَارِ ، وَوَضَعَ عِبَادَتِي مَوْضِعَ دُعَائِي وَجَعَلَ جَزَاءَ ذَلِكَ الِاسْتِكْبَارِ الصَّغَارُ وَالْهَوَانُ .
وَحَكَى الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ اخْتُلِفَ أَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى : الدُّعَاءُ أَوِ السُّكُوتُ وَالرِّضَا ؟ فَقِيلَ : الدُّعَاءُ وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ لِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الْخُضُوعِ وَالِافْتِقَارِ ، وَقِيلَ السُّكُوتُ وَالرِّضَا أَوْلَى لِمَا فِي التَّسْلِيمِ مِنَ الْفَضْلِ . قُلْتُ : وَشُبْهَتُهُمْ أَنَّ الدَّاعِيَ لَا يَعْرِفُ مَا قُدِّرَ لَهُ ، فَدُعَاؤُهُ إِنْ كَانَ عَلَى وَفْقِ الْمَقْدُورِ ، فَهُوَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِهِ ، فَهُوَ مُعَانَدَةٌ ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الدُّعَاءَ مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخُضُوعِ وَالِافْتِقَارِ ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُ إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا مَا قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ إِذْعَانًا لَا مُعَانَدَةً وَفَائِدَةُ الدُّعَاءِ تَحْصِيلُ الثَّوَابِ بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَدْعُوُّ بِهِ مَوْقُوفًا عَلَى الدُّعَاءِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْأَسْبَابِ وَمُسَبَّبَاتِهَا ، قَالَ : وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ دَاعِيًا بِلِسَانِهِ رَاضِيًا بِقَلْبِهِ ، قَالَ : وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إِذَا وَجَدَ فِي قَلْبِهِ إِشَارَةَ الدُّعَاءِ ، فَالدُّعَاءُ أَفْضَلُ وَبِالْعَكْسِ . قُلْتُ : الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ أَنْ يَدْعُوَ بِلِسَانِهِ وَيَرْضَى بِقَلْبِهِ ، وَالثَّانِي لَا يَتَأَتَّى مِنْ كُلِّ أَحَدٍ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ الْكُمَّلُ .
قَالَ الْقُشَيْرِيُّ : وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَوْ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ نَصِيبٌ فَالدُّعَاءُ أَفْضَلُ وَمَا كَانَ لِلنَّفْسِ فِيهِ حَظٌّ فَالسُّكُوتُ أَفْضَلُ ، وَعَبَّرَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ لِمَا حَكَاهُ بِقَوْلِهِ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ لِغَيْرِهِ وَيَتْرُكَ لِنَفْسِهِ ، وَعُمْدَةُ مَنْ أَوَّلَ الدُّعَاءَ فِي الْآيَةِ بِالْعِبَادَةِ أَوْ غَيْرِهَا قَوْلُهُ - تَعَالَى - : فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَدْعُو فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُ ، فَلَوْ كَانَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا لَمْ يَتَخَلَّفْ ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ لَكِنْ تَتَنَوَّعُ الْإِجَابَةُ فَتَارَةً تَقَعُ بِعَيْنِ مَا دَعَا بِهِ وَتَارَةً بِعِوَضِهِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَفَعَهُ : مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَهَا لَهُ وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ وَلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ ؛ إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعَوْتَهُ ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا . وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ . وَهَذَا شَرْطٌ ثَانٍ لِلْإِجَابَةِ ، وَلَهَا شُرُوطٌ أُخْرَى مِنْهَا : أَنْ يَكُونَ طَيِّبُ الْمَطْعَمِ ، وَالْمَلْبَسِ ، لِحَدِيثِ : فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ وَسَيَأْتِي بَعْدَ عِشْرِينَ بَابًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنْهَا أَلَّا يَكُونَ يَسْتَعْجِلُ لِحَدِيثِ : يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَقُلْ دَعَوْتُ فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي .
أَخْرَجَهُ مَالِكٌ . قَوْلُهُ ( بَاب لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَ لَفْظُ بَابُ لِغَيْرِهِ ، فَصَارَ مِنْ جُمْلَةِ التَّرْجَمَةِ الْأُولَى ، وَمُنَاسَبَتُهَا لِلْآيَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ بَعْضَ الدُّعَاءِ لَا يُسْتَجَابُ عَيْنًا . قَوْلُهُ : إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ .
قَوْلُهُ ( مُسْتَجَابَة ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلَمْ أَرَهَا عِنْدَ الْبَاقِينَ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْمُوَطَّأِ قَوْلُهُ يَدْعُو بِهَا ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَيُعَجِّلُ كُلُّ نَبِيٍّ دَعَوْتَهُ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ فَاسْتُجِيبَ لَهُ قَوْلُهُ وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ فِي التَّوْحِيدِ فَأُرِيدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَخْتَبِئَ وَزِيَادَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي هَذَا لِلتَّبَرُّكِ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي وَزَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزَادَ أَبُو صَالِحٍ فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا . وَقَوْلُهُ : مَنْ مَاتَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ و لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ وَالتَّقْدِيرُ شَفَاعَتِي نَائِلَةٌ مَنْ مَاتَ غَيْرَ مُشْرِكٍ وَكَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ أَنْ يُؤَخِّرَهَا ثُمَّ عَزَمَ فَفَعَلَ وَرَجَا وُقُوعَ ذَلِكَ فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ فَجَزَمَ بِهِ وَسَيَأْتِي تَتِمَّةُ الْكَلَامِ عَلَى الشَّفَاعَةِ وَأَنْوَاعِهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الرِّقَاقِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ بِمَا وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الدَّعَوَاتِ الْمُجَابَةِ ، وَلَا سِيَّمَا نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَظَاهِرُهُ أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً فَقَطْ ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِجَابَةِ فِي الدَّعْوَةِ الْمَذْكُورَةِ الْقَطْعُ بِهَا وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ دَعَوَاتِهِمْ ، فَهُوَ عَلَى رَجَاءِ الْإِجَابَةِ ، وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْلِهِ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ أَيْ أَفْضَلُ دَعَوَاتِهِ وَلَهُمْ دَعَوَاتٌ أُخْرَى وَقِيلَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ عَامَّةٌ مُسْتَجَابَةٌ فِي أُمَّتِهِ إِمَّا بِإِهْلَاكِهِمْ ، وَإِمَّا بِنَجَاتِهِمْ وَأَمَّا الدَّعَوَاتُ الْخَاصَّةُ ، فَمِنْهَا مَا يُسْتَجَابُ وَمِنْهَا مَا لَا يُسْتَجَابُ ، وَقِيلَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ تَخُصُّهُ لِدُنْيَاهُ أَوْ لِنَفْسِهِ كَقَوْلِ نُوحٍ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ ، وَقَوْلِ زَكَرِيَّا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَقَوْلِ سُلَيْمَانَ وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ .
وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ مَا لَفْظُهُ اعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ دَعَوَاتِ الْأَنْبِيَاءِ مُسْتَجَابَةٌ وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ دَعَا عَلَى أُمَّتِهِ بِالْإِهْلَاكِ إِلَّا أَنَا فَلَمْ أَدْعُ فَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ لِلصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ ، وَالْمُرَادُ بِالْأُمَّةِ أُمَّةُ الدَّعْوَةِ لَا أُمَّةُ الْإِجَابَةِ ، وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا عَلَى أَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ ، وَدَعَا عَلَى أُنَاسٍ مِنْ قُرَيْشٍ بِأَسْمَائِهِمْ وَدَعَا عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَدَعَا عَلَى مُضَرَ ، قَالَ : وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً تُسْتَجَابُ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ ، فَنَالَهَا كُلٌّ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا وَأَمَّا نَبِيُّنَا ، فَإِنَّهُ لَمَّا دَعَا عَلَى بَعْضِ أُمَّتِهِ نَزَلَ عَلَيْهِ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فَبَقِيَ تِلْكَ الدَّعْوَةُ الْمُسْتَجَابَةُ مُدَّخَرَةً لِلْآخِرَةِ وَغَالِبُ مَنْ دَعَا عَلَيْهِمْ لَمْ يُرِدْ إِهْلَاكَهُمْ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ رَدْعَهُمْ لِيَتُوبُوا . وَأَمَّا جَزْمُهُ أَوَّلًا بِأَنَّ جَمِيعَ أَدْعِيَتِهِمْ مُسْتَجَابَةٌ فَفِيهِ غَفْلَةٌ عَنِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ سَأَلْتُ اللَّهَ ثَلَاثًا ، فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً . الْحَدِيثَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ فَضْلِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ حَيْثُ آثَرَ أُمَّتَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ بِدَعْوَتِهِ الْمُجَابَةِ ، وَلَمْ يَجْعَلْهَا أَيْضًا دُعَاءً عَلَيْهِمْ بِالْهَلَاكِ كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ .
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : هَذَا مِنْ حُسْنِ تَصَرُّفِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ جَعَلَ الدَّعْوَةَ فِيمَا يَنْبَغِي ، وَمِنْ كَثْرَةِ كَرَمِهِ لِأَنَّهُ آثَرَ أُمَّتَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَمِنْ صِحَّةِ نَظَرِهِ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا لِلْمُذْنِبِينَ مِنْ أُمَّتِهِ لِكَوْنِهِمْ أَحْوَجَ إِلَيْهَا مِنَ الطَّائِعِينَ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ كَمَالُ شَفَقَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أُمَّتِهِ وَرَأْفَتُهُ بِهِمْ وَاعْتِنَاؤُهُ بِالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِهِمْ ، فَجَعَلَ دَعَوْتَهُ فِي أَهَمِّ أَوْقَاتِ حَاجَتِهِمْ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فَهِيَ نَائِلَةٌ فَفِيهِ دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ مَنْ مَاتَ غَيْرَ مُشْرِكٍ لَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ ، وَلَوْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِرِ .