بَاب الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِنَفْيِ عَامٍ وبِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ ( عَنْ عُقَيْلٍ ) وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) هَكَذَا خَالَفَ عُقَيْلٌ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فِي شَيْخِ الزُّهْرِيِّ .
فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَتْنُ مُخْتَصَرًا مِنْ قِصَّةِ الْعَسِيفِ ، فَقَدْ وَافَقَ عَبْدُ الْعَزِيزِ جَمِيعَ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ ؛ فَإِنَّ شَيْخَهُ عِنْدَهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ لَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَإِنْ كَانَ حَدِيثًا آخَرَ فَالرَّاجِحُ قَوْلُ عُقَيْلٍ ؛ لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ مِنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، لَكِنْ قَدْ رَوَى عُقَيْلٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ الْحَدِيثَ الْآخَرَ مُوَافِقًا لِعَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْرَجَهُمَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُجَيْنٍ - بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مُصَغَّرٌ - ابْنُ الْمُثَنَّى ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْوِلَاءِ : حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْهُ ، وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ . وَابْنُ شِهَابٍ صَاحِبُ حَدِيثٍ لَا يُسْتَنْكَرُ مِنْهُ حَمْلُهُ الْحَدِيثَ عَنْ جَمَاعَةٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ . قَوْلُهُ : ( بِنَفْيٍّ عَامٍّ وَبِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ : أَنْ يُنْفَى عَامًا مَعَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ، وَعُرِفَ أَنَّ الْبَاءَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ بِمَعْنَى مَعَ .
وَالْمُرَادُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ مَا ذُكِرَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَلْدُ الْمِائَةِ ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا الْجَلْدُ لِكَوْنِهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ . وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّفْيَ تَعْزِيرٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا مِنَ الْحَدِّ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ عَلَيْهِ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي كَوْنِ الْكُلِّ حَدَّهُ ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى رَاوِيهِ فِي لَفْظِهِ فَهُوَ أَرْجَحُ مِنْ حِكَايَةِ الصَّحَابِيِّ مَعَ الِاخْتِلَافِ . وَمِمَّا يُؤَيِّدُ كَوْنَ حَدِيثَيِ الْبَابِ وَاحِدًا مَعَ أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ شِهَابٍ فِي تَابِعِيِّهِ وَصَحَابِيِّهِ أَنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي عَنْ عُمَرَ عِنْدَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَقَعَتْ عِنْدَ عُقَيْلٍ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَفِي آخِرِ رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَكَانَ عُمَرُ يَنْفِي مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ وَإِلَى خَيْبَرَ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى بُعْدِ الْمَسَافَةِ وَقُرْبِهَا فِي النَّفْيِ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَقَيَّدُ .
وَالَّذِي تَحَرَّرَ لِي مِنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ اخْتِصَارًا مِنْ قِصَّةِ الْعَسِيفِ وَأَنَّ أَصْلَ الْحَدِيثِ كَانَ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ جَمِيعًا ، فَكَانَ يُحَدِّثُ بِهِ عَنْهُمَا بِتَمَامِهِ ، وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ بِاخْتِصَارٍ ، وَكَانَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحْدَهُ بِاخْتِصَارٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ - خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ - إِنْ أُخِذَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ : مَعَ إِقَامَةِ الْحَدِّ ، وَجَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالنَّفْيِ فِي حَقِّ الزَّانِي الَّذِي لَمْ يُحْصَنْ خِلَافًا لَهُمْ أَيْضًا إِنْ قُلْنَا إِنَّ الْجَمِيعَ حَدٌّ . وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ الَّذِي فِيهِ النَّفْيُ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ النُّورِ ؛ لِأَنَّ فِيهَا الْجَلْدَ بِغَيْرِ نَفْيٍ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ التَّارِيخِ ، وَبِأَنَّ الْعَكْسَ أَقْرَبُ ؛ فَإِنَّ آيَةَ الْجَلْدِ مُطْلَقَةٌ فِي حَقِّ كُلِّ زَانٍ فَخُصَّ مِنْهَا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ الثَّيِّبُ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ خُلُوِّ آيَةِ النُّورِ عَنِ النَّفْيِ عَدَمُ مَشْرُوعِيَّتِهِ كَمَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ خُلُوِّهَا مِنَ الرَّجْمِ ذَلِكَ .
وَمِنَ الْحُجَجِ الْقَوِيَّةِ أَنَّ قِصَّةَ الْعَسِيفِ كَانَتْ بَعْدَ آيَةِ النُّورِ ؛ لِأَنَّها كَانَتْ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ ، وَهِيَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى قِصَّةِ الْعَسِيِفِ ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَضَرَهَا وَإِنَّمَا هَاجَرَ بَعْدَ قِصَّةِ الْإِفْكِ بِزَمَانٍ .