حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

مقدمة الإمام النووي

﴿بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المؤلف قال شيخنا الإمام العالم الزاهد الورع محيي الدين يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن حزام النووي رحمه الله تعالى آمين : الحمد لله البر الجواد ، الذي جلت نعمه عن الإحصاء والأعداد ، خالق اللطف والإرشاد ، الهادي إلى سبيل الرشاد ، الموفق بكرمه لطرق السداد ، المان بالاعتناء بسنة حبيبه وخليله عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى من لطف به من العباد ، المخصص هذه الأمة - زادها الله شرفا - بعلم الإسناد ، الذي لم يشركها فيه أحد من الأمم على تكرر العصور والآباد ، ذابين عنها في جميع الأزمان والبلاد ، باذلين وسعهم في تبيين الصحة من طرقها والفساد ؛ خوفا من الانتقاص منها والازدياد ، وحفظا لها على الأمة - زادها الله شرفا - إلى يوم التناد ، مستفرغين جهدهم في التفقه في معانيها واستخراج الأحكام واللطائف منها ، مستمرين على ذلك في جماعات وآحاد ، مبالغين في بيانها وإيضاح وجوهها بالجد والاجتهاد ، ولا يزال على القيام بذلك - بحمد الله ولطفه - جماعات في الأعصار كلها إلى انقضاء الدنيا وإقبال المعاد ، وإن قلوا وخملت بلدان منهم وقربوا من النفاد . أحمده أبلغ حمد على نعمه خصوصا على نعمة الإسلام ، وأن جعلنا من أمة خير الأولين والآخرين وأكرم السابقين واللاحقين محمد عبده ورسوله وحبيبه وخليله خاتم النبيين ، صاحب الشفاعة العظمى ولواء الحمد والمقام المحمود سيد المرسلين ، المخصوص بالمعجزة الباهرة المستمرة على تكرر السنين ، التي تحدى بها أفصح القرون وأفحم بها المنازعين ، وظهر بها خزي من لم ينقد لها من المعاندين ، المحفوظ من أن يتطرق إليها تغيير الملحدين ؛ أعني بها القرآن العزيز كلام ربنا الذي ﴿نزل به الروح الأمين على قلبه ليكون من المنذرين ﴿بلسان عربي مبين ، والمصطفى بمعجزات أخر زائدات على الألف والمئين ، وبجوامع الكلم وسماحة شريعته ووضع أصر المتقدمين ، المكرم بتفضيل أمته - زادها الله شرفا - على الأمم السابقين ، وبكون أصحابه رضي الله عنهم خير القرون الكائنين ، وبأنهم كلهم مقطوع بعدالتهم عند من يعتد به من علماء المسلمين ، وبجعل إجماع أمته حجة مقطوعا بها كالكتاب المبين ، وأقوال أصحابه المنتشرة من غير مخالفة لذلك عند العلماء المحققين ، المخصوص بتوفر دواعي أمته - زادها الله شرفا - على حفظ شريعته وتدوينها ونقلها عن الحفاظ المسندين ، وأخذها عن الحذاق المتقنين ، والاجتهاد في تبيينها للمسترشدين ، والدؤوب في تعليمها احتسابا لرضا رب العالمين ، والمبالغة في الذب عن منهاجه بواضح الأدلة وقمع الملحدين والمبتدعين ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين ، وآل كل وصحابتهم والتابعين ، وسائر عباد الله الصالحين ، ووفقنا للاقتداء به دائمين ، في أقواله وأفعاله وسائر أحواله مخلصين مستمرين في ذلك دائبين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا بوحدانيته ، واعترافا بما يجب على الخلق كافة من الإذعان لربوبيته ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى من بريته ، والمخصوص بشمول رسالته وتفضيل أمته ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وعترته . أما بعد ، فإن الاشتغال بالعلم من أفضل القرب وأجل الطاعات ، وأهم أنواع الخير وآكد العبادات ، وأولى ما أنفقت فيه نفائس الأوقات ، وشمر في إدراكه والتمكن فيه أصحاب الأنفس الزكيات ، وبادر إلى الاهتمام به المسارعون إلى الخيرات ، وسابق إلى التحلي به مستبقو المكرمات ، وقد تظاهرت على ما ذكرته جمل من الآيات الكريمات والأحاديث الصحيحة المشهورات ، وأقاويل السلف - رضي الله عنهم - النيرات ، ولا ضرورة إلى ذكرها هنا لكونها من الواضحات الجليات ، ومن أهم أنواع العلوم تحقيق معرفة الأحاديث النبويات ؛ أعني معرفة متونها : صحيحها وحسنها وضعيفها ، متصلها ، ومرسلها ، ومنقطعها ، ومعضلها ، ومقلوبها ، ومشهورها ، وغريبها ، وعزيزها ، متواترها وآحادها ، وأفرادها ، معروفها ، وشاذها ، ومنكرها ، ومعللها ، وموضوعها ، ومدرجها ، وناسخها ومنسوخها ، وخاصها وعامها ، ومجملها ومبينها ، ومختلفها ، وغير ذلك من أنواعها المعروفات .

ومعرفة علم الأسانيد ؛ أعني معرفة حال رجالها وصفاتهم المعتبرة وضبط أسمائهم وأنسابهم ومواليدهم ووفياتهم وغير ذلك من الصفات ، ومعرفة التدليس والمدلسين وطرق الاعتبار والمتابعات ، ومعرفة حكم اختلاف الرواة في الأسانيد والمتون والوصل والإرسال والوقف والرفع والقطع والانقطاع وزيادات الثقات ، ومعرفة الصحابة والتابعين وأتباعهم وأتباع أتباعهم ومن بعدهم رضي الله عنهم وعن سائر المؤمنين والمؤمنات . وغير ما ذكرته من علومها المشهورات ، ودليل ما ذكرته أن شرعنا مبني على الكتاب العزيز والسنن المرويات . وعلى السنن مدار أكثر الأحكام الفقهيات ، فإن أكثر الآيات الفروعيات مجملات ، وبيانها في السنن المحكمات .

وقد اتفق العلماء على أن من شرط المجتهد من القاضي والمفتي أن يكون عالما بالأحاديث الحكميات ، فثبت بما ذكرناه أن الاشتغال بالحديث من أجل العلوم الراجحات ، وأفضل أنواع الخير وآكد القربات ، وكيف لا يكون كذلك وهو مشتمل مع ما ذكرناه على بيان حال أفضل المخلوقات ، عليه من الله الكريم أفضل الصلوات والسلام والبركات . ولقد كان أكثر اشتغال العلماء بالحديث في الأعصار الخاليات ، حتى لقد كان يجتمع في مجلس الحديث من الطالبين ألوف متكاثرات ، فتناقص ذلك وضعفت الهمم فلم يبق إلا آثار من آثارهم قليلات ، والله المستعان على هذه المصيبة وغيرها من البليات . وقد جاء في فضل إحياء السنن المماتات أحاديث كثيرة معروفات مشهورات ، فينبغي الاعتناء بعلم الحديث والتحريض عليه لما ذكرنا من الدلالات ، ولكونه أيضا من النصيحة لله تعالى وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم وللأئمة والمسلمين والمسلمات ، وذلك هو الدين كما صح عن سيد البريات ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وذريته وأزواجه الطاهرات .

ولقد أحسن القائل : من جمع أدوات الحديث استنار قلبه ، واستخرج كنوزه الخفيات ، وذلك لكثرة فوائده البارزات والكامنات . وهو جدير بذلك ؛ فإنه كلام أفصح الخلق ومن أعطي جوامع الكلمات ، صلى الله عليه صلوات متضاعفات . وأصح مصنف في الحديث بل في العلم مطلقا الصحيحان للإمامين القدوتين : أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري رضي الله عنهما ؛ فلم يوجد لهما نظير في المؤلفات ، فينبغي أن يعتنى بشرحهما وتشاع فوائدهما ويتلطف في استخراج دقائق العلوم من متونهما وأسانيدهما لما ذكرنا من الحجج الظاهرات ، وأنواع الأدلة المتظاهرات ؛ فأما صحيح البخاري رحمه الله فقد جمعت في شرحه جملا مستكثرات ، مشتملة على نفائس من أنواع العلوم بعبارات وجيزات ، وأنا مشمر في شرحه راج من الله الكريم في إتمامه المعونات .

وأما صحيح مسلم رحمه الله فقد استخرت الله تعالى الكريم الرؤوف الرحيم في جمع كتاب في شرحه متوسط بين المختصرات والمبسوطات ، لا من المختصرات المخلات ، ولا من المطولات المملات ، ولو ضعف الهمم وقلة الراغبين وخوف عدم انتشار الكتاب لقلة الطالبين للمطولات لبسطته فبلغت به ما يزيد على مائة من المجلدات ، من غير تكرار ولا زيادات عاطلات ، بل ذلك لكثرة فوائده وعظم عوائده الخفيات والبارزات ، وهو جدير بذلك فإنه كلام أفصح المخلوقات ، صلى الله عليه صلوات دائمات ، لكني أقتصر على التوسط وأحرص على ترك الإطالات ، وأوثر الاختصار في كثير من الحالات ، فأذكر فيه إن شاء الله جملا من علومه الزاهرات ؛ من أحكام الأصول والفروع والآداب والإشارات الزهديات ، وبيان نفائس من أصول القواعد الشرعيات ، وإيضاح معاني الألفاظ اللغوية وأسماء الرجال وضبط المشكلات ، وبيان أسماء ذوي الكنى وأسماء آباء الأبناء والمبهمات ، والتنبيه على لطيفة من حال بعض الرواة وغيرهم من المذكورين في بعض الأوقات ، واستخراج لطائف من خفيات علم الحديث من المتون والأسانيد المستفادات ، وضبط جمل من الأسماء المؤتلفات والمختلفات ، والجمع بين الأحاديث التي تختلف ظاهرا ويظن بعض من لا يحقق صناعتي الحديث والفقه وأصوله كونها متعارضات ، وأنبه على ما يحضرني في الحال في الحديث من المسائل العمليات ، وأشير إلى الأدلة في كل ذلك إشارات ، إلا في مواطن الحاجة إلى البسط للضرورات ، وأحرص في جميع ذلك على الإيجاز وإيضاح العبارات ، وحيث أنقل شيئا من أسماء الرجال واللغة وضبط الشكل والأحكام والمعاني وغيرها من المنقولات ، فإن كان مشهورا لا أضيفه إلى قائليه لكثرتهم إلا نادرا لبعض المقاصد الصالحات ، وإن كان غريبا أضفته إلى قائليه إلا أن أذهل عنه في بعض المواطن لطول الكلام ، أو كونه مما تقدم بيانه في الأبواب الماضيات ، وإذا تكرر الحديث أو الاسم أو اللفظة من اللغة ونحوها بسطت المقصود منه في أول مواضعه ، وإذا مررت على الموضع الآخر ذكرت أنه تقدم شرحه وبيانه في الباب الفلاني من الأبواب السابقات ، وقد أقتصر على بيان تقدمه من غير إضافة أو أعيد الكلام فيه لبعد الموضع الأول أو ارتباط كلام أو نحوه أو غير ذلك من المصالح المطلوبات ، وأقدم في أول الكتاب جملا من المقدمات ، مما يعظم النفع به إن شاء الله تعالى ويحتاج إليه طالبوا التحقيقات ، وأرتب ذلك في فصول متتابعات ، ليكون أسهل في مطالعته وأبعد من السآمات ، وأنا مستمد المعونة والصيانة واللطف والرعاية من الله الكريم رب الأرضين والسماوات ، مبتهلا إليه سبحانه وتعالى أن يوفقني ووالدي ومشايخي وسائر أقاربي وأحبابي ومن أحسن إلينا بحسن النيات ، وأن ييسر لنا الطاعات ، وأن يهدينا لها دائما في ازدياد حتى الممات ، وأن يجود علينا برضاه ومحبته ودوام طاعته والجمع بيننا في دار كرامته وغير ذلك من أنواع المسرات ، وأن ينفعنا أجمعين ومن يقرأ في هذا الكتاب به وأن يجزل لنا المثوبات ، وأن لا ينزع منا ما وهبه لنا ومن به علينا من الخيرات ، وأن لا يجعل شيئا من ذلك فتنة لنا وأن يعيذنا من كل شيء من المخالفات ، إنه مجيب الدعوات جزيل العطيات ، اعتصمت بالله ، توكلت على الله ، ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، وحسبي الله ونعم الوكيل ، وله الحمد والفضل والمنة والنعمة ، وبه التوفيق واللطف والهداية والعصمة .

موقع حَـدِيث