حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

مقدمة الإمام النووي

فصل : في بيان إسناد الكتاب وحال رواته منا إلى الإمام مسلم رضي الله عنه مختصرا . أما إسنادي فيه فأخبرنا بجميع صحيح الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله الشيخ الأمين العدل الرضي أبو إسحاق إبراهيم بن أبي حفص عمر بن مضر الواسطي - رحمه الله - بجامع دمشق حماها الله وصانها وسائر بلاد الإسلام وأهله . قال : أخبرنا الإمام ذو الكنى أبو القاسم أبو بكر أبوالفتح منصور بن عبد المنعم الفراوي قال : أخبرنا الإمام فقيه الحرمين أبو جدي أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي قال : أخبرنا أبو الحسين عبد الغافر الفارسي قال : أنا أبو أحمد محمد بن عيسى الجلودي قال : أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه ، أنا الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج رحمه الله .

وهذا الإسناد الذي حصل لنا ولأهل زماننا ممن يشاركنا فيه في نهاية من العلو بحمد الله تعالى ، فبيننا وبين مسلم ستة ، وكذلك اتفقت لنا بهذا العدد رواية الكتب الأربعة التي هي تمام الكتب الخمسة التي هي أصول الإسلام ؛ أعني صحيحي البخاري ومسلم ، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي . وكذلك وقع لنا بهذا العدد مسندا الإمامين أبوي عبد الله أحمد بن حنبل ، ومحمد بن يزيد ؛ أعني ابن ماجه . ووقع لنا أعلى من هذه الكتب - وإن كانت عالية - موطأ الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس ، فبيننا وبينه - رحمه الله - سبعة ، وهو شيخ شيوخ المذكورين كلهم ، فتعلو روايتنا لأحاديثه برجل ، ولله الحمد والمنة .

وحصل في روايتنا لمسلم لطيفة وهو أنه إسناد مسلسل وبالنيسابوريين وبالمعمرين فإن رواته كلهم معمرون ، وكلهم نيسابوريون ؛ من شيخنا أبي إسحاق إلى مسلم . وشيخنا وإن كان واسطيا فقد أقام بنيسابور مدة طويلة ، والله أعلم أما بيان حال رواته فيطول الكلام في تقصي أخبارهم واستقصاء أحوالهم ، لكن نقتصر على ضبط أسمائهم وأحرف تتعلق بحال بعضهم : أما شيخنا أبو إسحاق فكان من أهل الصلاح ، والمنسوبين إلى الخير والفلاح ، معروفا بكثرة الصدقات ، وإنفاق المال في وجوه المكرمات ، ذا عفاف وعبادة ووقار ، وسكينة وصيانة بلا استكبار ، توفي رحمه الله بالإسكندرية اليوم السابع من رجب سنة أربع وستين وستمائة . وأما شيخ شيخنا فهو الإمام ذو الكنى أبو القاسم أبو بكر أبو الفتح منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي العباس الصاعدي ، الفراوي ثم النيسابوري ، منسوب إلى فراوة - بليدة من ثغر خراسان - وهو بفتح الفاء وضمها .

فأما الفتح فهو المشهور المستعمل بين أهل الحديث وغيرهم ، وكذا حكى الشيخ الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح - رحمه الله - أنه سمع شيخه منصورا هذا - رضي الله عنه - يقول : إنه الفراوي ؛ بفتح الفاء . وذكره أبو سعيد السمعاني في كتابه ( الأنساب ) بضم الفاء ، وكذا ذكر الضم أيضا غير السمعاني . وكان منصور هذا جليلا شيخا مكثرا ثقة ، صحيح السماع ، روى عن أبيه وجده وجد أبيه أبي عبد الله محمد بن الفضل ، وروى عن غيرهم .

مولده في شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة ، وتوفي بشازياج نيسابور في شعبان سنة ثمان وستمائة . وأما أبو عبد الله الفرواي فهو محمد بن الفضل جد أبي منصور النيسابوري ، وقد تقدم تمام نسبه في نسب ابن ابن ابنه منصور . كان أبو عبد الله هذا الفرواي رضي الله عنه إماما بارعا في الفقه والأصول وغيرهما ، كثير الروايات بالأسانيد الصحيحة العاليات ، رحلت إليه الطلبة من الأقطار ، وانتشرت الروايات عنه فيما قرب وبعد من الأمصار ، حتى قالوا فيه : للفراوي ألف راوي ، وكان يقال له : فقيه الحرم ؛ لإشاعته ونشره العلم بمكة زادها الله فضلا وشرفا .

ذكره الإمام الحافظ أبو القاسم الدمشقي المعروف بابن عساكر رضي الله عنهما فأطنب في الثناء عليه بما هو أهله ، ثم روى عن أبي الحسين عبد الغافر أنه ذكره فقال : هو فقيه الحرم ، البارع في الفقه والأصول ، الحافظ للقواعد ، نشأ بين الصوفية في حجورهم ، ووصل إليه بركات أنفاسهم ، وسمع التصانيف والأصول من الإمام زين الإسلام ، ودرس عليه الأصول والتفسير ، ثم اختلف إلى مجلس إمام الحرمين ولازم درسه ما عاش وتفقه عليه وعلق عنه الأصول ، وصار من جملة المذكورين من أصحابه ، وخرج حاجا إلى مكة ، وعقد المجلس ببغداد وسائر البلاد ، وأظهر العلم بالحرمين ، وكان منه بهما أثر وذكر ونشر للعلم ، وعاد إلى نيسابور ، وما تعدى قط حد العلماء ولا سيرة الصالحين من التواضع والتبذل في الملابس والتعايش ، وتستر بكتابة الشروط لاتصاله بالزمرة الشحامية مصاهرة ليصون بها عرضه وعلمه عن توقع الأرفاق ، ويتبلغ بما يكتسبه منها في أسباب المعيشة من فنون الأرزاق ، وقعد للتدريس في المدرسة الناصحة وإفادة الطلبة فيها ، وقد سمع المسانيد والصحاح وأكثر عن مشايخ عصره ، وله مجالس الوعظ والتذكير المشحونة بالفوائد والمبالغة في النصح وحكايات المشايخ وذكر أحوالهم . قال الحافظ أبو القاسم : وإلى الإمام محمد الفراوي كانت رحلتي الثانية ؛ لأنه كان المقصود بالرحلة في تلك الناحية لما اجتمع فيه من علو الإسناد ووفور العلم وصحة الاعتقاد وحسن الخلق ولين الجانب والإقبال بكليته على الطالب ، فأقمت في صحبته سنة كاملة وغنمت من مسموعاته فوائد حسنة طائلة ، وكان مكرما لموردي عليه عارفا بحق قصدي إليه . ومرض مرضة في مدة مقامي عنده ، ونهاه الطبيب عن التمكن من القراءة عليه فيها ، وعرفه أن ذلك ربما كان سببا لزيادة تألمه ، فقال : لا أستجيز أن أمنعهم من القراءة ، وربما أكون قد حبست في الدنيا لأجلهم .

وكنت أقرأ عليه في حال مرضه وهو ملقى على فراشه ، ثم عوفي من تلك المرضة وفارقته متوجها إلى هراة ، فقال لي حين ودعته بعد أن أظهر الجزع لفراقي : وربما لا نلتقي بعد هذا . فكان كما قال ، فجاءنا نعيه إلى هراة ، وكانت وفاته في العشر الأواخر من شوال سنة ثلاثين وخمسمائة ، ودفن في تربة أبي بكر بن خزيمة رضي الله عنهما . وذكر الحافظ أيضا جملا أخرى من مناقبه حذفتها اختصارا ، وذكر أبو سعيد السمعاني أنه سأل أبا عبد الله الفراوي هذا عن مولده فقال : مولدي تقديرا سنة إحدى وأربعين وأربعمائة .

قال غيره : وتوفي يوم الخميس الحادي أو الثاني والعشرين من شوال سنة ثلاثين وخمسمائة . قال الحافظ الشيخ أبو عمرو رحمه الله : له في علم المذهب كتاب انتخبت منه فوائد استغربتها . وسمع صحيح مسلم من عبد الغافر في السنة التي توفي فيها عبد الغافر سنة ثمان وأربعين وأربعمائة بقراءة أبي سعيد البحيري رحمه الله ورضي عنه وأما شيخ الفراوي فهو أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد بن محمد بن سعيد الفارسي ، الفسوي ثم النيسابوري ، التاجر ، وكان سماعه صحيح مسلم من الجلودي سنة خمس وستين وثلاثمائة ، ذكره ولد ولده أبو الحسن عبد الغافر إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي الأديب الإمام المحدث ابن المحدث ابن صاحب التصانيف كذيل تاريخ نيسابور وكتاب مجمع الغرائب والمفهم لشرح غريب صحيح مسلم وغيرها ، فقال : كان شيخا ثقة صالحا صائنا ، محفوظا من الدين والدنيا ، محدودا في الرواية على قلة سماعه ، مشهورا مقصودا من الآفاق ، سمع منه الأئمة والصدور ، وقرأ الحافظ الحسن السمرقندي عليه صحيح مسلم نيفا وثلاثين مرة ، وقرأه عليه أبو سعيد البحيري نيفا وعشرين مرة .

وممن قرأه عليه من مشاهير الأئمة زين الإسلام أبو القاسم - يعني القشيري - والواحدي وغيرهما ، استكمل خمسا وتسعين سنة ، وألحق أحفاد الأحفاد بالأجداد ، وتوفي يوم الثلاثاء ، ودفن يوم الأربعاء السادس من شوال سنة ثمان وأربعين وأربعمائة . قال غيره : ولد سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة ، وسمع منه أئمة الدنيا من الغرباء والطارئين والبلديين ، وبارك الله سبحانه وتعالى في سماعه وروايته مع قلة سماعه ، وكان المشهور برواية صحيح مسلم وغريب الخطابي في عصره ، وسمع الخطابي وغيره من أهل عصره رحمه الله ورضي عنه . وأما شيخ الفارسي فهو أبو أحمد محمد بن عيسى بن عبد الرحمن بن عمرويه بن منصور الزاهد النيسابوري الجلودي - بضم الجيم بلا خلاف .

قال الإمام أبو سعيد السمعاني : هو منسوب إلى الجلود المعروفة ، جمع جلد .

قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله : عندي أنه منسوب إلى سكة الجلوديين بنيسابور الدارسة ، وهذا الذي قاله الشيخ أبو عمرو يمكن حمل كلام السمعاني عليه . وإنما قلت إن الجلودي هذا بضم الجيم بلا خلاف ؛ لأن ابن السكيت وصاحبه قتيبة قالا في كتابيهما المشهورين : إن الجلودي - بفتح الجيم - منسوب إلى جلود ؛ اسم قرية بإفريقية . وقال غيرهما : إنها بالشام .

وأراد أن من نسب إلى هذه القرية فهو بفتح الجيم لكونها مفتوحة ، وأما أبو أحمد الجلودي فليس منسوبا إلى هذه القرية ، فليس فيما قالاه مخالفة لما ذكرناه ، والله أعلم . قال الحاكم أبو عبد الله : كان أبو أحمد هذا الجلودي شيخا صالحا زاهدا من كبار عباد الصوفية ، صحب أكابر المشايخ من أهل الحقائق ، وكان ينسخ الكتب ويأكل من كسب يده ، سمع أبا بكر بن خزيمة ومن كان قبله ، وكان ينتحل مذهب سفيان الثوري ويعرفه ، توفي رحمه الله يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة ثمان وستين وثلاثمائة وهو ابن ثمانين سنة . قال الحاكم : وختم لوفاته سماع صحيح مسلم ، وكل من حدث به بعده عن إبراهيم بن محمد بن سفيان وغيره بثقة ، والله أعلم .

وأما شيخ الجلودي فهو السيد الجليل أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري الفقيه الزاهد المجتهد العابد . قال الحاكم أبو عبد الله بن البيع : سمعت محمد بن يزيد العدل يقول : كان إبراهيم بن محمد بن سفيان مجاب الدعوة . قال الحاكم : وسمعت أبا عمرو بن نجيد يقول : إنه كان من الصالحين .

قال الحاكم : كان إبراهيم بن سفيان من العباد المجتهدين ، ومن الملازمين لمسلم بن الحجاج ، وكان من أصحاب أيوب بن الحسن الزاهد صاحب الرأي ؛ يعني الفقيه الحنفي . سمع إبراهيم بن سفيان بالحجاز ونيسابور والري والعراق . قال إبراهيم : فرغ لنا مسلم من قراءة الكتاب في شهر رمضان سنة سبع وخمسين ومائتين .

قال الحاكم : مات إبراهيم في رجب سنة ثمان وثلاثمائة ، رحمه الله ورضي عنه . وأما شيخ إبراهيم بن محمد بن سفيان فهو الإمام مسلم صاحب الكتاب ، وهو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري نسبا ، النيسابوري وطنا ، عربي صلبية ، وهو أحد أعلام أئمة هذا الشأن ، وكبار المبرزين فيه وأهل الحفظ والإتقان ، والرحالين في طلبه إلى أئمة الأقطار والبلدان ، والمعترف له بالتقدم فيه بلا خلاف عند أهل الحذق والعرفان ، والمرجوع إلى كتابه والمعتمد عليه في كل الأزمان . سمع بخراسان يحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه وغيرهما ، وبالري محمد بن مهران الجمال - بالجيم - وأبا غسان وغيرهما ، وبالعراق أحمد بن حنبل وعبد الله بن مسلمة القعنبي وغيرهما ، وبالحجاز سعيد بن منصور وأبا مصعب وغيرهما ، وبمصر عمرو بن سواد وحرملة بن يحيى وغيرهما ، وخلائق كثيرين .

روى عنه جماعات من كبار أئمة عصره وحفاظه ، وفيهم جماعات في درجته ؛ فمنهم : أبو حاتم الرازي ، وموسى بن هارون ، وأحمد بن سلمة ، وأبو عيسى الترمذي ، وأبو بكر بن خزيمة ، ويحيى بن صاعد ، وأبو عوانة الإسفرايني ، وآخرون لا يحصون . وصنف مسلم رحمه الله في علم الحديث كتبا كثيرة ، منها هذا الكتاب الصحيح الذي من الله الكريم - وله الحمد والنعمة والفضل والمنة - به على المسلمين ، وأبقى لمسلم به ذكرا جميلا وثناء حسنا إلى يوم الدين . ومنها كتاب المسند الكبير على أسماء الرجال ، وكتاب الجامع الكبير على الأبواب ، وكتاب العلل ، وكتاب أوهام المحدثين ، وكتاب التمييز ، وكتاب من ليس له إلا راو واحد ، وكتاب طبقات التابعين ، وكتاب المخضرمين ، وغير ذلك .

قال الحاكم أبو عبد الله : حدثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم قال : سمعت أحمد بن سلمة يقول : رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما ، وفي رواية معرفة الحديث . قلت : ومن حقق نظره في صحيح مسلم رحمه الله واطلع على ما أودعه في أسانيده وترتيبه وحسن سياقته وبديع طريقته ، من نفائس التحقيق ، وجواهر التدقيق ، وأنواع الورع والاحتياط والتحري في الرواية وتلخيص الطرق واختصارها ، وضبط متفرقها وانتشارها ، وكثرة اطلاعه واتساع روايته ، وغير ذلك مما فيه من المحاسن والأعجوبات ، واللطائف الظاهرات والخفيات ، علم أنه إمام لا يلحقه من بعد عصره ، وقل من يساويه بل يدانيه من أهل وقته ودهره ، و﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم . وأنا أقتصر من أخباره رضي الله عنه على هذا القدر فإن أحواله رحمه الله ومناقبه لا تستقصى لبعدها عن أن تحصى ، وقد دللت بما ذكرت من الإشارة إلى حالته على ما أهملت من جميل طريقته ، والله الكريم أسأله أن يجزل في مثوبته وأن يجمع بيننا وبينه مع أحبائنا في دار كرامته بفضله وجوده ولطفه ورحمته .

وقد قدمت أني أوثر الاختصار ، وأحاذر التطويل الممل والإكثار . توفي مسلم رحمه الله بنيسابور سنة إحدى وستين ومائتين . قال الحاكم أبو عبد الله بن البيع في كتاب المزكين لرواة الأخبار : سمعت أبا عبد الله بن الأخرم الحافظ - رحمه الله - يقول : توفي مسلم بن الحجاج رحمه الله عشية الأحد ، ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين وهو ابن خمس وخمسين سنة رحمه الله ورضي عنه .

موقع حَـدِيث