مقدمة الإمام النووي
فصل : اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان ؛ البخاري ومسلم ، وتلقتهما الأمة بالقبول . وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة ، وقد صح أن مسلما كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث ، وهذا الذي ذكرناه من ترجيح كتاب البخاري هو المذهب المختار الذي قاله الجماهير وأهل الإتقان والحذق والغوص على أسرار الحديث . وقال أبو علي الحسين بن علي النيسابوري الحافظ شيخ الحاكم أبي عبد الله بن البيع : كتاب مسلم أصح ، ووافقه بعض شيوخ المغرب .
والصحيح الأول ، وقد قرر الإمام الحافظ الفقيه النظار أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله في كتابه المدخل ترجيح كتاب البخاري . وروينا عن الإمام أبي عبد الرحمن النسائي رحمه الله أنه قال : ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب البخاري . قلت : ومن أخصر ما ترجح به اتفاق العلماء على أن البخاري أجل من مسلم وأعلم بصناعة الحديث منه ، وقد انتخب علمه ولخص ما ارتضاه في هذا الكتاب ، وبقي في تهذيبه وانتقائه ست عشرة سنة ، وجمعه من ألوف مؤلفة من الأحاديث الصحيحة ، وقد ذكرت دلائل هذا كله في أول شرح صحيح البخاري .
ومما ترجح به كتاب البخاري أن مسلما رحمه الله كان مذهبه - بل نقل الإجماع في أول صحيحه - أن الإسناد المعنعن له حكم الموصول بسمعت بمجرد كون المعنعن والمعنعن عنه كانا في عصر واحد وإن لم يثبت اجتماعهما ، والبخاري لا يحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ، وهذا المذهب يرجح كتاب البخاري وإن كنا لا نحكم على مسلم بعمله في صحيحه بهذا المذهب لكونه يجمع طرقا كثيرة يتعذر معها وجود هذا الحكم الذي جوزه ، والله أعلم . وقد انفرد مسلم بفائدة حسنة ، وهي كونه أسهل متناولا من حيث إنه جعل لكل حديث موضعا واحدا يليق به جمع فيه طرقه التي ارتضاها واختار ذكرها وأورد فيه أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة فيسهل على الطالب النظر في وجوهه واستثمارها ويحصل له الثقة بجميع ما أورده مسلم من طرقه ، بخلاف البخاري ؛ فإنه يذكر تلك الوجوه المختلفة في أبواب متفرقة متباعدة ، وكثير منها يذكره في غير بابه الذي يسبق إلى الفهم أنه أولى به ، وذلك لدقيقة يفهمها البخاري منه ، فيصعب على الطالب جمع طرقه وحصول الثقة بجميع ما ذكره البخاري من طرق هذا الحديث . وقد رأيت جماعة من الحفاظ المتأخرين غلطوا في مثل هذا فنفوا رواية البخاري أحاديث هي موجودة في صحيحه في غير مظانها السابقة إلى الفهم ، والله أعلم .
ومما جاء في فضل صحيح مسلم ما بلغنا عن مكي بن عبدان أحد حفاظ نيسابور أنه قال : سمعت مسلم بن الحجاج رضي الله عنه يقول : لو أن أهل الحديث يكتبون مائتي سنة الحديث فمدارهم على هذا المسند ؛ يعني صحيحه . قال : وسمعت مسلما يقول : عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي فكل ما أشار أن له علة تركته ، وكل ما قال أنه صحيح وليس له علة خرجته . وذكر غيره ما رواه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي بإسناده عن مسلم رحمه الله قال : صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة .