مقدمة الإمام النووي
فصل : قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله : جميع ما حكم مسلم رحمه الله بصحته في هذا الكتاب فهو مقطوع بصحته ، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر ، وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه ، وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإجماع .
قال الشيخ : والذي نختاره أن تلقي الأمة للخبر المنحط عن درجة التواتر بالقبول يوجب العلم النظري بصدقه خلافا لبعض محققي الأصوليين حيث نفى ذلك بناء على أنه لا يفيد في حق كل منهم إلا الظن ، وإنما قبله لأنه يجب عليه العمل بالظن والظن قد يخطئ .
قال الشيخ : وهذا مندفع ، لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ ، وقد قال إمام الحرمين : لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ألزمته الطلاق ولا حنثته لإجماع علماء المسلمين على صحتهما .
قال الشيخ : ولقائل أن يقول : إنه لا يحنث ولو لم يجمع المسلمون على صحتهما للشك في الحنث ، فإنه لو حلف بذلك في حديث ليست هذه صفته لم يحنث وإن كان راويه فاسقا ، فعدم الحنث حاصل قبل الإجماع فلا يضاف إلى الإجماع .
قال الشيخ : والجواب أن المضاف إلى الإجماع هو القطع بعدم الحنث ظاهرا وباطنا ، وأما عند الشك فعدم الحنث محكوم به ظاهرا مع احتمال وجوده باطنا ، فعلى هذا يحمل كلام إمام الحرمين ، فهو اللائق بتحقيقه . فإذا علم هذا فما أخذ على البخاري ومسلم وقدح فيه معتمد من الحفاظ فهو مستثنى مما ذكرناه لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول وما ذلك إلا في مواضع قليلة سننبه على ما وقع في هذا الكتاب منها إن شاء الله تعالى . وهذا آخر ما ذكره الشيخ أبو عمرو رحمه الله هنا ، وقال في جزء له : ما اتفق البخاري ومسلم على إخراجه فهو إفادة بصدق مخبره ثابت يقينا لتلقي الأمة ذلك بالقبول ، وذلك يفيد العلم النظري ، وهو في إفادة العلم كالمتواتر إلا أن المتواتر يفيد العلم الضروري ، وتلقي الأمة بالقبول يفيد العلم النظري ، وقد اتفقت الأمة على أن ما اتفق البخاري ومسلم على صحته فهو حق وصدق .
قال الشيخ في علوم الحديث : وقد كنت أميل إلى أن ما اتفقا عليه فهو مظنون وأحسبه مذهبا قويا ، وقد بان لي الآن أنه ليس كذلك وأن الصواب أنه يفيد العلم . وهذا الذي ذكره الشيخ في هذه المواضع خلاف لما قاله المحققون والأكثرون ، فإنهم قالوا : أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة إنما تفيد الظن ، فإنها آحاد ، والآحاد إنما تفيد الظن على ما تقرر ، ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك ، وتلقي الأمة بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما ، وهذا متفق عليه ؛ فإن أخبار الآحاد التي في غيرهما يجب العمل بها إذا صحت أسانيدها ، ولا تفيد إلا الظن ، فكذا الصحيحان ، وإنما يفترق الصحيحان وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحا لا يحتاج إلى النظر فيه بل يجب العمل به مطلقا ، وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى ينظر وتوجد فيه شروط الصحيح . ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد اشتد إنكار ابن برهان الإمام على من قال بما قاله الشيخ وبالغ في تغليطه ، وأما ما قاله الشيخ رحمه الله في تأويل كلام إمام الحرمين في عدم الحنث فهو بناء على ما اختاره الشيخ ، وأما على مذهب الأكثرين فيحتمل أنه أراد أنه لا يحنث ظاهرا ولا يستحب له التزام الحنث حتى تستحب له الرجعة ، كما لو حلف بمثل ذلك في غير الصحيحين فإنا لا نحنثه لكن تستحب له الرجعة احتياطا لاحتمال الحنث وهو احتمال ظاهر . وأما الصحيحان فاحتمال الحنث فيهما في غاية من الضعف ، فلا تستحب له المراجعة لضعف احتمال موجبها ، والله أعلم .