حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

مقدمة الإمام النووي

فصل : عاب عائبون مسلما بروايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء والمتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية الذين ليسوا من شرط الصحيح ، ولا عيب عليه في ذلك ، بل جوابه من أوجه ذكرها الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله ؛ أحدها : أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده ، ولا يقال : الجرح مقدم على التعديل ؛ لأن ذلك فيما إذا كان الجرح ثابتا مفسر السبب ، وإلا فلا يقبل الجرح إذا لم يكن كذا . وقد قال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي وغيره : ما احتج البخاري ومسلم وأبو داود به من جماعة علم الطعن فيهم من غيرهم محمول على أنه لم يثبت الطعن المؤثر مفسر السبب . الثاني : أن يكون ذلك واقعا في المتابعات والشواهد لا في الأصول ؛ وذلك بأن يذكر الحديث أولا بإسناد نظيف رجاله ثقات ويجعله أصلا ثم يتبعه بإسناد آخر ، أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة أو لزيادة فيه تنبه على فائدة فيما قدمه .

وقد اعتذر الحاكم أبو عبد الله بالمتابعة والاستشهاد في إخراجه عن جماعة ليسوا من شرط الصحيح ؛ منهم مطر الوراق ، وبقية بن الوليد ، ومحمد بن إسحاق بن يسار ، وعبد الله بن عمر العمري ، والنعمان بن راشد . وأخرج مسلم عنهم في الشواهد في أشباه لهم كثيرين . الثالث : أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث عليه فهو غير قادح فيما رواه من قبل في زمن استقامته كما في أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب ، فذكر الحاكم أبو عبد الله أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر ، فهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة وعبد الرزاق وغيرهما ممن اختلط آخرا ولم يمنع ذلك من صحة الاحتجاج في الصحيحين بما أخذ عنهم قبل ذلك .

الرابع : أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده وهو عنده من رواية الثقات نازل ، فيقتصر على العالي ولا يطول بإضافة النازل إليه مكتفيا بمعرفه أهل الشأن في ذلك . وهذا العذر قد رويناه عنه تنصيصا ، وهو خلاف حاله فيما رواه عن الثقات أولا ، ثم أتبعه بمن دونهم متابعة ، وكأن ذلك وقع منه على حسب حضور باعث النشاط وغيبته . روينا عن سعيد بن عمرو البرذعي أنه حضر أبا زرعة الرازي وذكر صحيح مسلم وإنكار أبي زرعة عليه روايته فيه عن أسباط بن نصر وقطن بن نسير وأحمد بن عيسى المصري ، وأنه قال أيضا : يطرق لأهل البدع علينا ، فيجدون السبيل بأن يقولوا إذا احتج عليهم بحديث : ليس هذا في الصحيح .

قال سعيد بن عمرو : فلما رجعت إلى نيسابور ذكرت لمسلم إنكار أبي زرعة ، فقال لي مسلم : إن ما قلت صحيح ، وإن ما أدخلت من حديث أسباط وقطن أحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم ، إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع ، ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول فأقتصر على ذلك ، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات . قال سعيد : وقدم مسلم بعد ذلك الري ، فبلغني أنه خرج إلى أبي عبد الله محمد بن مسلم بن وادة ، فجفاه وعاتبه على هذا الكتاب ، وقال له نحوا مما قاله لي أبو زرعة : إن هذا يطرق لأهل البدع ، فاعتذر مسلم وقال : إنما أخرجت هذا الكتاب وقلت : هو صحاح ، ولم أقل : إن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب فهو ضعيف ، وإنما أخرجت هذا الحديث من الصحيح ليكون مجموعا عندي وعند من يكتبه عني ولا يرتاب في صحته ، فقبل عذره وحمده .

قال الشيخ : وقد قدمنا عن مسلم أنه قال : عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي ، فكل ما أشار أن له علة تركته ، وكل ما قال : إنه صحيح وليست له علة ، فهو هذا الذي أخرجته .

قال الشيخ : فهذا مقام وعر ، وقد مهدته بواضح من القول لم أره مجتمعا في مؤلف ولله الحمد . قال : وفيما ذكرته دليل على أن من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في صحيحه بأنه من شرط الصحيح عند مسلم فقد غفل وأخطأ ، بل يتوقف ذلك على النظر في أنه كيف روى عنه على ما بيناه من انقسام ذلك ، والله أعلم .

موقع حَـدِيث