مقدمة الإمام النووي
فصل : ألزم الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني رحمه الله وغيره البخاري ومسلما رضي الله عنهما إخراج أحاديث تركا إخراجها مع أن أسانيدها أسانيد قد أخرجا لرواتها في صحيحهما بها . وذكر الدارقطني وغيره أن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورويت أحاديثهم من وجوه صحاح لا مطعن في ناقليه ، ولم يخرجا من أحاديثهم شيئا فيلزمهما إخراجها على مذهبيهما . وذكر البيهقي أنهما اتفقا على أحاديث من صحيفة همام بن منبه ، وأن كل واحد منهما انفرد عن الآخر بأحاديث منها مع أن الإسناد واحد .
وصنف الدارقطني وأبو ذر الهروي في هذا النوع الذي ألزموهما ، وهذا الإلزام ليس بلازم في الحقيقة فإنهما لم يلتزما استيعاب الصحيح ، بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوعباه ، وإنما قصدا جمع جمل من الصحيح كما يقصد المصنف في الفقه جمع جملة من مسائله لا أنه يحصر جميع مسائله ، لكنهما إذا كان الحديث الذي تركاه أو تركه أحدهما مع صحة إسناده في الظاهر أصلا في بابه ولم يخرجا له نظيرا ، ولا ما يقوم مقامه ، فالظاهر من حالهما أنهما اطلعا فيه على علة إن كانا روياه ، ويحتمل أنهما تركاه نسيانا أو إيثارا لترك الإطالة ، أو رأيا أن غيره مما ذكراه يسد مسده ، أو لغير ذلك ، والله أعلم .