حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

مقدمة الإمام النووي

فصل : ذكر مسلم رحمه الله في أول مقدمة صحيحه أنه يقسم الأحاديث ثلاثة أقسام ؛ الأول : ما رواه الحفاظ المتقنون . والثاني : ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والإتقان . والثالث : ما رواه الضعفاء والمتروكون ، وأنه إذا فرغ من القسم الأول أتبعه الثاني ، وأما الثالث فلا يعرج عليه ، فاختلف العلماء في مراده بهذا التقسيم ، فقال الإمامان الحافظان أبو عبد الله الحاكم وصاحبه أبو بكر البيهقي رحمهما الله : إن المنية اخترمت مسلما رحمه الله قبل إخراج القسم الثاني ، وإنه إنما ذكر القسم الأول .

قال القاضي عياض رحمه الله : وهذا مما قبله الشيوخ والناس من الحاكم أبي عبد الله وتابعوه عليه . قال القاضي : وليس الأمر على ذلك لمن حقق نظره ولم يتقيد بالتقليد ؛ فإنك إذا نظرت تقسيم مسلم في كتابة الحديث على ثلاث طبقات من الناس كما قال ، فذكر أن القسم الأول حديث الحفاظ ، وأنه إذا انقضى هذا أتبعه بأحاديث من لم يوصف بالحذق والإتقان مع كونهم من أهل الستر والصدق وتعاطي العلم ، ثم أشار إلى ترك حديث من أجمع العلماء أو اتفق الأكثر منهم على تهمته ، ونفي من اتهمه بعضهم وصححه بعضهم فلم يذكره هنا ، ووجدته ذكر في أبواب كتابه حديث الطبقتين الأوليين ، وأتى بأسانيد الثانية منهما على طريق الإتباع للأولى والاستشهاد . أو حيث لم يجد في الباب الأول شيئا .

وذكر أقواما تكلم قوم فيهم وزكاهم آخرون وخرج حديثهم ممن ضعف أو اتهم ببدعة ، وكذلك فعل البخاري ، فعندي أنه أتى بطبقاته الثلاث في كتابه على ما ذكر ورتب في كتابه وبينه في تقسيمه ، وطرح الرابعة كما نص عليه . فالحاكم تأول أنه إنما أراد أن يفرد لكل طبقة كتابا ويأتي بأحاديثها خاصة مفردة ، وليس ذلك مراده ، بل إنما أراد بما ظهر من تأليفه وبان من غرضه أن يجمع ذلك في الأبواب ، ويأتي بأحاديث الطبقتين فيبدأ بالأولى ثم يأتي بالثانية على طريق الاستشهاد والإتباع حتى استوفى جميع الأقسام الثلاثة . ويحتمل أن يكون أراد بالطبقات الثلاث الحفاظ ، ثم الذين يلونهم ، والثالثة هي التي طرحها ، وكذلك علل الحديث التي ذكر ووعد أنه يأتي بها قد جاء بها في مواضعها من الأبواب من اختلافهم في الأسانيد كالإرسال والإسناد ، والزيادة والنقص ، وذكر تصاحيف المصحفين .

وهذا يدل على استيفائه غرضه في تأليفه وإدخاله في كتابه كلما وعد به . قال القاضي رحمه الله : فاوضت في تأويلي هذا ورأيي فيه من يفهم هذا الباب ، فما رأيت منصفا إلا صوبه وبان له ما ذكرت . وهو ظاهر لمن تأمل الكتاب ، وطالع مجموع الأبواب ، ولا يعترض على هذا بما قاله ابن سفيان صاحب مسلم أن مسلما أخرج ثلاثة كتب من المسندات أحدها هذا الذي قرأه على الناس ، والثاني يدخل فيه عكرمة وابن إسحاق صاحب المغازي وأمثالهما ، والثالث يدخل فيه من الضعفاء .

فإنك إذا تأملت ما ذكر ابن سفيان لم يطابق الغرض الذي أشار إليه الحاكم مما ذكر مسلم في صدر كتابه ، فتأمله تجده كذلك إن شاء الله تعالى . هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله ، وهذا الذي اختاره ظاهر جدا ، والله أعلم .

موقع حَـدِيث