حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

مقدمة الإمام النووي

فصل : سلك مسلم رحمه الله في صحيحه طرقا بالغة في الاحتياط والإتقان والورع والمعرفة ، وذلك مصرح بكمال ورعه ، وتمام معرفته ، وغزارة علومه ، وشدة تحقيقه بحفظه ، وتقعدده في هذا الشأن ، وتمكنه من أنواع معارفه ، وتبريزه في صناعته ، وعلو محله في التمييز بين دقائق علومه ، لا يهتدي إليها إلا أفراد في الأعصار فرحمه الله ورضي عنه . وأنا أذكر أحرفا من أمثلة ذلك تنبيها بها على ما سواها ، إذ لا يعرف حقيقة حاله إلا من أحسن النظر في كتابه مع كمال أهليته ومعرفته بأنواع العلوم التي يفتقر إليها صاحب هذه الصناعة كالفقه والأصولين والعربية وأسماء الرجال ودقائق علم الأسانيد والتاريخ ومعاشرة أهل هذه الصنعة ومباحثهم ومع حسن الفكر ونباهة الذهن ومداومة الاشتغال به وغير ذلك من الأدوات التي يفتقر إليها ، فمن تحري مسلم رحمه الله اعتناؤه بالتمييز بين حدثنا وأخبرنا وتقييده ذلك على مشايخه وفي روايته ، وكان من مذهبه رحمه الله الفرق بينهما وأن حدثنا لا يجوز إطلاقه إلا لما سمعه من لفظ الشيخ خاصة ، وأخبرنا لما قرئ على الشيخ ، وهذا الفرق هو مذهب الشافعي وأصحابه وجمهور أهل العلم بالمشرق . قال محمد بن الحسن الجوهري المصري : وهو مذهب أكثر أصحاب الحديث الذين لا يحصيهم أحد .

وروي هذا المذهب أيضا عن ابن جريج والأوزاعي وابن وهب والنسائي ، وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث . وذهب جماعات إلى أنه يجوز أن تقول فيما قرئ على الشيخ حدثنا وأخبرنا ، وهو مذهب الزهري ومالك وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وآخرين من المتقدمين ، وهو مذهب البخاري وجماعة من المحدثين ، وهو مذهب معظم الحجازيين والكوفيين . وذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز إطلاق حدثنا ولا أخبرنا في القراءة ، وهو مذهب ابن المبارك ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل والمشهور عن النسائي ، والله أعلم .

ومن ذلك اعتناؤه بضبط اختلاف لفظ الرواة كقوله : حدثنا فلان وفلان واللفظ لفلان ، قال - أو قالا :حدثنا فلان . وكما إذا كان بينهما اختلاف في حرف من متن الحديث أو صفة الراوي أو نسبه أو نحو ذلك فإنه يبينه ، وربما كان بعضه لا يتغير به معنى ، وربما كان في بعضه اختلاف في المعنى ولكن كان خفيا لا يتفطن له إلا ماهر في العلوم التي ذكرتها في أول الفصل مع اطلاع على دقائق الفقه ومذاهب الفقهاء ، وسترى في هذا الشرح من فوائد ذلك ما تقر به عينك إن شاء الله تعالى . وينبغي أن ندقق النظر في فهم غرض مسلم من ذلك .

ومن ذلك تحريه في رواية صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة ، كقوله : حدثنا محمد بن رافع قال : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن همام قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر أحاديث ، منها : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا توضأ أحدكم فليستنشق الحديث ، وذلك لأن الصحائف والأجزاء والكتب المشتملة على أحاديث بإسناد واحد إذا اقتصر عند سماعها على ذكر الإسناد في أولها ولم يجدد عند كل حديث منها ، وأراد إنسان ممن سمع كذلك أن يفرد حديثا منها غير الأول بالإسناد المذكور في أولها ، فهل يجوز ذلك له ؟ قال وكيع بن الجراح ويحيى بن معين وأبو بكر الإسماعيلي الشافعي الإمام في الحديث والفقه والأصول : يجوز ذلك . وهذا مذهب الأكثرين من العلماء ؛ لأن الجميع معطوف على الأول ، فالإسناد المذكور أولا في حكم المعاد في كل حديث . وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني الفقيه الشافعي الإمام في علم الأصوليين والفقه وغير ذلك : لا يجوز ذلك .

فعلى هذا من سمع هكذا فطريقه أن يبين ذلك ما فعله مسلم ، فمسلم رحمه الله سلك هذا الطريق ورعا واحتياطا وتحريا وإتقانا رضي الله عنه . ومن ذلك تحريه في مثل قوله : حدثنا عبد الله بن مسلمة ، حدثنا سليمان - يعني ابن بلال - عن يحيى ؛ وهو ابن سعيد . فلم يستجز رضي الله عنه أن يقول : سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد ؛ لكونه لم يقع في روايته منسوبا ، فلو قاله منسوبا لكان مخبرا عن شيخه أنه أخبره بنسبه ولم يخبره .

وسأذكر هذا بعد هذا في فصل مختص به إن شاء الله تعالى . ومن ذلك احتياطه في تلخيص الطرق وتحول الأسانيد مع إيجاز العبارة وكمال حسنها . ومن ذلك حسن ترتيبه وترصيفه الأحاديث على نسق يقتضيه تحقيقه ، وكمال معرفته بمواقع الخطاب ، ودقائق العلم ، وأصول القواعد ، وخفيات علم الأسانيد ، ومراتب الرواة ، وغير ذلك .

موقع حَـدِيث