مقدمة الإمام النووي
فصل : في معرفة الحديث الصحيح وبيان أقسامه وبيان الحسن والضعيف وأنواعها . قال العلماء : الحديث ثلاثة أقسام : صحيح وحسن وضعيف ، ولكل قسم أنواع ؛ فأما الصحيح فهو ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة . فهذا متفق على أنه صحيح ، فإن اختل بعض هذه الشروط ففيه خلاف وتفصيل نذكره إن شاء الله تعالى .
وقال الإمام أبو سليمان أحمد ابن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي الفقيه الشافعي المتفنن : الحديث عند أهله ثلاثة أقسام : صحيح وحسن وسقيم ، فالصحيح ما اتصل سنده وعدلت نقلته . والحسن ما عرف مخرجه واشتهر رجاله ، وعليه مدار أكثر الحديث ، وهو الذي يقبله أكثر العلماء وتستعمله عامة الفقهاء . والسقيم على ثلاث طبقات : شرها الموضوع ، ثم المقلوب ، ثم المجهول .
قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في كتابه المدخل إلى كتاب الإكليل : الصحيح من الحديث عشرة أقسام ، خمسة متفق عليها وخمسة مختلف فيها ؛ فالأول من المتفق عليه اختيار البخاري ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح ، وهو أن لا يذكر إلا ما رواه صحابي مشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم له راويان ثقتان فأكثر ، ثم يرويه عنه تابعي مشهور بالرواية عن الصحابة له أيضا روايان ثقتان فأكثر ، ثم يرويه عنه من أتباع الأتباع الحافظ المتقن المشهور على ذلك الشرط ثم كذلك . قال الحاكم : والأحاديث المروية بهذه الشريطة لا يبلغ عددها عشرة آلاف حديث . القسم الثاني مثل الأول إلا أن روايه من الصحابة ليس له إلا راو واحد ، القسم الثالث مثل الأول إلا راويه من التابعين ليس له إلا راو واحد ، القسم الرابع الأحاديث الأفراد الغرائب التي رواها الثقات العدول .
القسم الخامس أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم ولم تتواتر الرواية عن آبائهم عن أجدادهم بها إلا عنهم كصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده ، وإياس بن معاوية عن أبيه عن جده ، وأجدادهم صحابيون وأحفادهم ثقات . قال الحاكم : فهذه الأقسام الخمسة مخرجة في كتب الأئمة فيحتج بها وإن لم يخرج منها في الصحيحين حديث ؛ يعني غير القسم الأول . قال : والخمسة المختلف فيها : المرسل ، وأحاديث المدلسين إذا لم يذكروا سماعهم ، وما أسنده ثقة وأرسله جماعة من الثقات ، وروايات غير الحفاظ العارفين ، وروايات المبتدعة إذا كانوا صادقين .
فهذا آخر كلام الحاكم ، وسنتكلم عليه بعد حكاية قول الجياني إن شاء الله تعالى . وقال أبو علي الغساني الجياني : الناقلون سبع طبقات ؛ ثلاث مقبولة ، وثلاث متروكة ، والسابعة مختلف فيها ، فالأولى : أئمة الحديث وحفاظه وهم الحجة على من خالفهم ويقبل انفرادهم . الثانية : دونهم في الحفظ والضبط ، لحقهم في بعض روايتهم وهم وغلط ، والغالب على حديثهم الصحة ، ويصحح ما وهموا فيه من رواية الأولى ، وهم لاحقون بهم .
الثالثة : جنحت إلى مذاهب من الأهواء غير غالية ولا داعية ، وصح حديثها وثبت صدقها وقل وهمها . فهذه الطبقات احتمل أهل الحديث الرواية عنهم ، وعلى هذه الطبقات يدور نقل الحديث . وثلاث طبقات أسقطهم أهل المعرفة ؛ الأولى : من وسم بالكذب ووضع الحديث .
الثانية : من غلب عليه الغلط والوهم . والثالثة : طائفة غلت في البدعة ودعت إليها وحرفت الروايات ، وزادت فيها ليحتجوا بها . والسابعة : قوم مجهولون انفردوا بروايات لم يتابعوا عليها فقبلهم قوم ووقفهم آخرون .
هذا كلام الغساني ، فأما قوله : إن أهل البدع والأهواء الذين لا يدعون إليها ولا يغلون فيها يقبلون بلا خلاف ، فليس كما قال ، بل فيهم خلاف ، وكذلك في الدعاة خلاف مشهور سنذكرهما قريبا إن شاء الله تعالى حيث ذكره الإمام مسلم رحمه الله . وأما قوله في المجهولين خلاف فهو كما قال ، وقد أخل الحاكم بهذا النوع من المختلف فيه . ثم المجهول أقسام : مجهول العدالة ظاهرا وباطنا ، ومجهولها باطنا مع وجودها ظاهرا وهو المستور ، ومجهول العين .
فأما الأول فالجمهور على أنه لا يحتج به ، وأما الآخران فاحتج بهما كثيرون من المحققين . وأما قول الحاكم أن من لم يرو عنه إلا راو واحد فليس هو من شرط البخاري ومسلم فمردود ، غلطه الأئمة فيه بإخراجهما حديث المسيب بن حزن والد سعيد بن المسيب في وفاة أبي طالب لم يرو عنه غير ابنه سعيد ، وبإخراج البخاري حديث عمرو بن تغلب : إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب إلي لم يرو عنه غير الحسن ، وحديث قيس بن أبي حازم عن مرداس الأسلي : يذهب الصالحون لم يرو عنه غير قيس ، وبإخراج مسلم حديث رافع بن عمرو الغفاري لم يرو عنه غير عبد الله بن الصامت ، وحديث ربيعة بن كعب الأسلي لم يرو عنه غير أبي سلمة ، ونظائر في الصحيحين لهذا كثيرة ، والله أعلم . وأما الأقسام المختلف فيها فسأعقد في كل واحد منها فصلا إن شاء الله تعالى ليكون أسهل في الوقوف عليه .
هذا ما يتعلق بالصحيح ، وأما الحسن فقد تقدم قول الخطابي رحمه الله : إنه ما عرف مخرجه واشتهر رجاله . وقال أبو عيسى الترمذي : الحسن ما ليس في إسناده من يتهم ، وليس بشاذ ، وروي من غير وجه . وضبط الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله الحسن فقال : هو قسمان ؛ أحدهما الذي لا يخلو إسناده من مستور لم تتحقق أهليته وليس كثير الخطأ فيما يرويه ، ولا ظهر منه تعمد الكذب ولا سبب آخر مفسق ، ويكون متن الحديث قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر .
القسم الثاني أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة ولم يبلغ درجة رجال الصحيح لقصوره عنهم في الحفظ والإتقان إلا أنه مرتفع عن حال من يعد تفرده منكرا . قال : وعلى القسم الأول ينزل كلام الترمذي ، وعلى الثاني كلام الخطابي ، فاقتصر كل واحد منهما على قسم رآه خفيا ولا بد في القسمين من سلامتهما من الشذوذ والعلة . ثم الحسن وإن كان دون الصحيح فهو كالصحيح في جواز الاحتجاج به ، والله أعلم .
وأما الضعيف فهو ما لم يوجد فيه شروط الصحة ولا شروط الحسن ، وأنواعه كثيرة ؛ منها : الموضوع ، والمقلوب ، والشاذ ، والمنكر ، والمعلل ، والمضطرب ، وغير ذلك . ولهذه الأنواع حدود وأحكام وتفريعات معروفة عند أهل هذه الصنعة ، وقد أتقنها مع ما يحتاج إليه طالب الحديث من الأدوات والمقدمات ويستعين به في جميع الحالات الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح في كتابه علوم الحديث ، وقد اختصرته وسهلت طريق معرفته لمن أراد تحقيق هذا الفن والدخول في زمرة أهله ، ففيه من القواعد والمهمات ما يلتحق به من حققه وتكاملت معرفته له بالحفاظ المتقنين ، ولا يسبقونه إلا بكثرة الاطلاع على طرق الحديث ، فإن شاركهم فيها لحقهم ، والله أعلم .