مقدمة الإمام مسلم
وَكَذَلِكَ مَنْ الْغَالِبُ عَلَى حَدِيثِهِ الْمُنْكَرُ أَوْ الْغَلَطُ أَمْسَكْنَا أَيْضًا عَنْ حَدِيثِهِمْ ، وَعَلَامَةُ الْمُنْكَرِ فِي حَدِيثِ الْمُحَدِّثِ إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالرِّضَا خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتَهُمْ أَوْ لَمْ تَكَدْ تُوَافِقُهَا ، فَإِذَا كَانَ الْأَغْلَبُ مِنْ حَدِيثِهِ كَذَلِكَ كَانَ مَهْجُورَ الْحَدِيثِ غَيْرَ مَقْبُولِهِ وَلَا مُسْتَعْمَلِهِ ، فَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَرَّرٍ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ ، وَالْجَرَّاحُ بْنُ الْمِنْهَالِ أَبُو الْعَطُوفِ ، وَعَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ ، وَحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ صُهْبَانَ ، وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ فِي رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ مِنْ الْحَدِيثِ ؛ فَلَسْنَا نُعَرِّجُ عَلَى حَدِيثِهِمْ وَلَا نَتَشَاغَلُ بِهِ ، لِأَنَّ حُكْمَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالَّذِي نَعْرِفُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي قَبُولِ مَا يَتَفَرَّدُ بِهِ الْمُحَدِّثُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ قَدْ شَارَكَ الثِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ فِي بَعْضِ مَا رَوَوْا وَأَمْعَنَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُوَافَقَةِ لَهُمْ ، فَإِذَا وُجِدَ كَذَلِكَ ثُمَّ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا لَيْسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ قُبِلَتْ زِيَادَتُهُ ، فَأَمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ فِي جَلَالَتِهِ وَكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ لِحَدِيثِهِ وَحَدِيثِ غَيْرِهِ أَوْ لِمِثْلِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَحَدِيثُهُمَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَبْسُوطٌ مُشْتَرَكٌ قَدْ نَقَلَ أَصْحَابُهُمَا عَنْهُمَا حَدِيثَهُمَا عَلَى الِاتِّفَاقِ مِنْهُمْ فِي أَكْثَرِهِ ، فَيَرْوِي عَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا الْعَدَدَ مِنْ الْحَدِيثِ مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا وَلَيْسَ مِمَّنْ قَدْ شَارَكَهُمْ فِي الصَّحِيحِ مِمَّا عِنْدَهُمْ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُ حَدِيثِ هَذَا الضَّرْبِ مِنْ النَّاسِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قال رحمه الله : ( وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى خالفت روايته روايتهم أو لم تكد توافقها ) هذا الذي ذكر - رحمه الله - هو معنى المنكر عند المحدثين ؛ يعني به المنكر المردود ، فإنهم قد يطلقون المنكر على انفراد الثقة بحديث ، وهذا ليس بمنكر مردود إذا كان الثقة ضابطا متقنا . وقوله : ( أو لم تكد توافقها ) معناه : لا توافقها إلا في قليل .
قال أهل اللغة : كاد موضوعة للمقاربة ، فإن لم يتقدمها نفي كانت لمقاربة الفعل ولم يفعل ؛ كقوله تعالى : يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ، وإن تقدمها نفي كانت للفعل بعد بطء ، وإن شئت قلت لمقاربة عدم الفعل ؛ كقوله تعالى : فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ . قال رحمه الله : ( فمن هذا الضرب من المحدثين : عبد الله بن محرر ، ويحيى بن أبي أنيسة ، والجراح بن المنهال أبو العطوف ، وعباد بن كثير ، وحسين بن عبد الله بن ضميرة ، وعمر بن صهبان ) أما عبد الله بن محرر فهو بفتح الحاء المهملة وبراءين مهملتين الأولى مفتوحة مشددة ، هكذا هو في روايتنا وفي أصول أهل بلادنا ، وهذا هو الصواب ، وكذا ذكره البخاري في تاريخه وأبو نصر ابن ماكولا وأبو علي الغساني الجياني وآخرون من الحفاظ . وذكر القاضي عياض أن جماعة شيوخهم رووه محرزا ؛ بإسكان الحاء وكسر الراء وآخره زاي ، قال : وهو غلط ، والصواب الأول .
وعبد الله بن محرر عامري جزري رقي ، ولاه أبو جعفر قضاء الرقة ، وهو من تابعي التابعين ، روى عن الحسن وقتادة والزهري ونافع مولى ابن عمر وآخرين من التابعين ، وروى عنه الثوري وجماعات ، واتفق الحفاظ والمتقدمون على تركه . قال أحمد بن حنبل : ترك الناس حديثه . وقال الآخرون مثله ونحوه .
وأما أبو أنيسة والد يحيى فاسمه زيد ، وأما أبو العطوف فبفتح العين وضم الطاء المهملتين . والجراح بن منهال هذا جزري يروي عن التابعين ، سمع الحكم بن عتيبة والزهري ، يروي عنه يزيد بن هارون . قال البخاري وغيره : هو منكر الحديث .
وأما صهبان فهو بضم الصاد المهملة وإسكان الهاء ، وعمر بن صهبان هذا أسلمي مدني ، ويقال فيه : عمر بن محمد بن صهبان ، متفق على تركه . قال رحمه الله - كلاما مختصرا : إن زيادة الثقة الضابط مقبولة ، ورواية الشاذ والمنكر مردودة . وهذا الذي قاله هو الصحيح الذي عليه الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول ، وقد تقدم إيضاح هذه المسألة وبيان الخلاف فيها وما يتعلق بها في الفصول السابقة ، والله أعلم .
قوله : ( قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق ) هو هكذا في معظم الأصول : ( الاتفاق ) ؛ بالفاء أولا والقاف آخرا ، وفي بعضها : الإتقان ؛ بالقاف أولا والنون آخرا ، والأول أجود وهو الصواب . قوله : ( فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث ) العدد منصوب يروي .