باب معنى قول الله عز وجل ولقد رآه نزلة أخرى
[281] - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى قَالَ : رَأَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ . قَوْلُ مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ) هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ . وَ ( غِيَاثٌ ) بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ .
وَ ( الشَّيْبَانِيُّ ) هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ ، وَاسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ فَيْرُوزَ ، وَقِيلَ : ابْنُ خَاقَانَ ، وَقِيلَ : ابْنُ عَمْرٍو ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ . وَأَمَّا ( زِرٌّ ) فَبِكَسْرِ الزَّايِ ، وَحُبَيْشٌ بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَآخِرَهُ الشِّينُ الْمُعْجَمَةُ ، وَهُوَ مِنَ الْمُعَمَّرِينَ زَادَ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةٍ ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى قَالَ : رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةُ جَنَاحٍ ) هَذَا الَّذِي قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هُوَ مَذْهَبُهُ فِي هذه الْآيَةِ ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ ؛ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ دُونَ عَيْنَيْهِ ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْهِ .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْوَاحِدِيُّ : قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو ذَرٍّ ، وَإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ : رَآهُ بِقَلْبِهِ . قَالَ : وَعَلَى هَذَا رَأَى بِقَلْبِهِ رَبَّهُ رُؤْيَةً صَحِيحَةً ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ ج٣ / ص٣٨٥تَعَالَى جَعَلَ بَصَرَهُ فِي فُؤَادِهِ ، أَوْ خَلَقَ لِفُؤَادِهِ بَصَرًا حَتَّى رَأَى رَبَّهُ رُؤْيَةً صَحِيحَةً كَمَا يَرَى بِالْعَيْنِ . قَالَ : وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَنَسٍ ، وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالرَّبِيعِ .
قَالَ الْمُبَرِّدُ : وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الْفُؤَادَ رَأَى شَيْئًا فَصَدَقَ فِيهِ ، وَ ( مَا رَأَى ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ : مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَرْئِيَّهُ ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ ( مَا كَذَّبَ ) بِالتَّشْدِيدِ . قَالَ الْمُبَرِّدُ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ رَأَى شَيْئًا فَقَبِلَهُ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمُبَرِّدُ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَةَ لِلْفُؤَادِ ، فَإِنْ جَعَلْتَهَا لِلْبَصَرِ فَظَاهِرٌ أَيْ : مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَآهُ الْبَصَرُ . هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْوَاحِدِيِّ .