باب معنى قول الله عز وجل ولقد رآه نزلة أخرى
[287] 177 - حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ ، الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ : يَا أَبَا عَائِشَةَ ثَلَاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ ، قُلْتُ : مَا هُنَّ ؟ قَالَتْ : مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ ، وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ ، فَقُلْتُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْظِرِينِي وَلَا تَعْجَلِينِي ، أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ وَلَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرَى فَقَالَتْ : أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنْ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فَقَالَتْ : أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ قَالَتْ : وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ ، وَاللَّهُ يَقُولُ : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ قَالَتْ : وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ وَاللَّهُ يَقُولُ : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ قَوْلُهُ : ( أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ ) هِيَ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ ، وَهِيَ الْكَذِبُ ، يُقَالُ : فَرِيَ الشَّيْءَ يَفْرِيهُ فَرْيًا وَافْتَرَاهُ يَفْتَرِيهِ افْتِرَاءً إِذَا اخْتَلَقَهُ ، وَجَمْعُ الْفِرْيَةِ فرى . قَوْلُهُ : ( أَنْظِرِينِي ) أَيْ : أَمْهِلِينِي . قَوْلُهُ : ( عَنْ مَسْرُوقٍ : أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى : وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ وَقَوْلُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - : ( أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا ثُمَّ قَالَتْ عَائِشَةُ أَيْضًا : ( وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ثُمَّ قَالَتْ : وَاللَّهُ - تَعَالَى - يَقُولُ : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ هَذَا كُلُّهُ تَصْرِيحٌ مِنْ عَائِشَةَ وَمَسْرُوقٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِجَوَازِ قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ ، وَقَدْ كَرِهَ ذَلِكَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ التَّابِعِيُّ المشهور .
فَرَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَقُولُوا : إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ ، وَلَكِنْ قُولُوا : إِنَّ اللَّهَ قَالَ ، وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ مُطَرِّفٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - خِلَافَ مَا فَعَلَتْهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَالصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ كَمَا اسْتَعْمَلَتْهُ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَمَنْ فِي عَصْرِهَا وَبَعْدَهَا مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَلَيْسَ لِمَنْ أَنْكَرَهُ حُجَّةٌ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ مِنَ النُّصُوصِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهَا : ( أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : مَا كَانَ لِبَشَرٍ فَهَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ ( مَا كَانَ ) بِحَذْفِ الْوَاوِ وَالتِّلَاوَةُ : وَمَا كَانَ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ ; وَلَكِنْ لَا يَضُرُّ هَذَا فِي الرِّوَايَةِ وَالِاسْتِدْلَالِ ; لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ لَيْسَ مَقْصُودَهُ التِّلَاوَةُ عَلَى وَجْهِهَا . وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ ج٣ / ص٣٨٧بَيَانُ مَوْضِعِ الدَّلَالَةِ ، وَلَا يُؤَثِّرُ حَذْفُ الْوَاوِ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ جَاءَ لِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي الْحَدِيثِ ، مِنْهَا قَوْلُهُ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَاتِ الْحَدِيثَيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالتِّلَاوَةُ بِالْوَاوِ فِيهِمَا .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا ( مَسْرُوقٌ ) فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ السَّمْعَانِيُّ فِي الْأَنْسَابِ : سُمِّيَ مَسْرُوقًا ; لِأَنَّهُ سَرَقَهُ إِنْسَانٌ فِي صِغَرِهِ ثُمَّ وُجِدَ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ) هَكَذَا فِي الْأُصُولِ ( مَا بَيْنَ السَّمَاءِ ) وَهُوَ صَحِيحٌ وَأَمَّا ( عِظَمُ خَلْقِهِ ) فَضُبِطَ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الظَّاءِ ، وَالثَّانِي : بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الظَّاءِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ .