باب معنى قول الله عز وجل ولقد رآه نزلة أخرى
[290] - وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ ، عَنْ ابْنِ أَشْوَعَ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ : فَأَيْنَ قَوْله : ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى قَالَتْ : إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرِّجَالِ ، وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ ، فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ . قَوْلُ مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : ( حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا ، عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ) هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، وَأَبُو أُسَامَةَ اسْمُهُ حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ ، وَزَكَرِيَّا هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ . وَاسْمُ أَبِي زَائِدَةَ خَالِدُ بْنُ مَيْمُونٍ ، وَقِيلَ : هُبَيْرَةُ : وَابْنُ أَشْوَعَ هُوَ سَعْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَشْوَعَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ .
قَوْلُهُ : ( قُلْتُ لِعَائِشَةَ ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَأَيْنَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى فَقَالَتْ : إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْوَاحِدِيُّ : مَعْنَى التَّدَلِّي الِامْتِدَادُ إِلَى جِهَةِ السُّفْلِ هَكَذَا هُوَ الْأَصْلُ ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْقُرْبِ مِنَ الْعُلُوِّ ، هَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ ، وَقَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ : هَذَا عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى : ثُمَّ تَدَلَّى فَدَنَا لِأَنَّ التَّدَلِّيَ سَبَبُ الدُّنُوِّ ، قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : تَدَلَّى إِذَا قَرُبَ بَعْدَ عُلُوٍّ ، قَالَ الْكَلْبِيُّ : الْمَعْنَى دَنَا جِبْرِيلُ مِنْ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَرُبَ مِنْهُ ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ : ثُمَّ دَنَا جِبْرِيلُ بَعْدَ اسْتِوَائِهِ فِي الْأُفُقِ الْأَعْلَى مِنَ الْأَرْضِ فَنَزَلَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَالْقَابُ مَا بَيْنَ الْقَبْضَةِ وَالسِّيَةِ وَلِكُلِّ قَوْسٍ قَابَانِ ، وَالْقَابُ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا : الْقَدْرُ ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ عِنْدَ جَمِيعِ الْمُفَسِّرِينَ ، وَالْمُرَادُ ج٣ / ص٣٨٩الْقَوْسُ الَّتِي يُرْمَى عَنْهَا وَهِيَ الْقَوْسُ الْعَرَبِيَّةُ ، وَخُصَّتْ بِالذِّكْرِ عَلَى عَادَتِهِمْ ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْسِ الذِّرَاعُ ، هَذَا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَشَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ ، وَعَلَى هَذَا مَعْنَى الْقَوْسِ مَا يُقَاسَ بِهِ الشَّيْءُ ، أَيْ : يُذْرَعُ . قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ : هَذِهِ الْمَسَافَةُ كَانَتْ بَيْنَ جِبْرِيلَ وَالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : أَوْ أَدْنَى ، مَعْنَاهُ : أَوْ أَقْرَبُ ، قَالَ مُقَاتِلٌ : بَلْ أَقْرَبُ ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ : خَاطَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْعِبَادَ عَلَى لُغَتِهِمْ وَمِقْدَارِ فَهْمِهِمُ ، الْمَعْنَى : أَوْ أَدْنَى فِيمَا تُقَدِّرُونَ أَنْتُمْ ، وَاللَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ، وَلَكِنَّهُ خَاطَبَنَا عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُنَا ، وَمَعْنَى الْآيَةِ : أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ عِظَمِ خَلْقِهِ وَكَثْرَةِ أَجْزَائِهِ دَنَا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الدُّنُوُّ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .