باب إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ وَإِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ النَّارِ
[304] 184 - وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يُدْخِلُ اللَّهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ ، وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ ، ثُمَّ يَقُولُ : انْظُرُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا حُمَمًا قَدْ امْتَحَشُوا ، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ أَوْ الْحَيَا ، فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ السَّيْلِ أَلَمْ تَرَوْهَا كَيْفَ تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً ؟ [305] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، ح ، وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ ، كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَقَالَا : فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ يُقَالَ لَهُ : الْحَيَاةُ ، وَلَمْ يَشُكَّا ، وَفِي حَدِيثِ خَالِدٍ : كَمَا تَنْبُتُ الْغُثَاءَةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ ، وَفِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ : كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِئَةٍ أَوْ حَمِيلَةِ السَّيْلِ . ( 82 - 86 ) ( بَابُ إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ وَإِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ جَوَازُ الشَّفَاعَةِ عَقْلًا ، وَوُجُوبُهَا سَمْعًا بِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعَالَى : يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا وَقَوْلِهِ : وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَأَمْثَالِهِمَا ، وَبِخَبَرِ الصَّادِقِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ الَّتِي بَلَغَتْ بِمَجْمُوعِهَا التَّوَاتُرَ بِصِحَّةِ الشَّفَاعَةِ فِي الْآخِرَةِ لِمُذْنِبِي الْمُؤْمِنِينَ . وَأَجْمَعَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَيْهَا ، وَمَنَعَتِ الْخَوَارِجُ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْهَا ، وَتَعَلَّقُوا بِمَذَاهِبِهِمْ فِي تَخْلِيدِ الْمُذْنِبِينَ فِي النَّارِ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ وَهَذِهِ الْآيَاتُ فِي الْكُفَّارِ .
وَأَمَّا تَأْوِيلُهُمْ أَحَادِيثَ الشَّفَاعَةِ بِكَوْنِهَا فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ فَبَاطِلٌ ، وَأَلْفَاظُ الْأَحَادِيثِ فِي الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ صَرِيحَةٌ فِي بُطْلَانِ مَذْهَبِهِمْ ، وَإِخْرَاجِ مَنِ اسْتَوْجَبَ النَّارَ ، لَكِنَّ الشَّفَاعَةَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ : أَوَّلُهَا : مُخْتَصَّةٌ بِنَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم ، وَهِيَ الْإِرَاحَةُ مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ ، وَتَعْجِيلُ الْحِسَابِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهَا . الثَّانِيَةُ : فِي إِدْخَالِ قَوْمٍ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَهَذِهِ وَرَدَتْ أَيْضًا لِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَدْ ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . الثَّالِثَةُ : الشَّفَاعَةُ لِقَوْمٍ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ ، فَيَشْفَعُ فِيهِمْ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَسَنُنَبِّهُ عَلَى مَوْضِعِهَا قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الرَّابِعَةُ : فِيمَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنَ الْمُذْنِبِينَ ؛ فَقَدْ جَاءَتْ ج٣ / ص٤٠٧هَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمَلَائِكَةِ وَإِخْوَانِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، ثُمَّ يُخْرِجُ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : لَا يَبْقَى فِيهَا إِلَّا الْكَافِرُونَ . الْخَامِسَةُ : فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ فِي الْجَنَّةِ لِأَهْلِهَا ، وَهَذِهِ لَا يُنْكِرُهَا الْمُعْتَزِلَةُ ، وَلَا يُنْكِرُونَ أَيْضًا شَفَاعَةَ الْحَشْرِ الْأَوَّلِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَقَدْ عُرِفَ بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ سُؤَالُ السَّلَفِ الصَّالِحِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - شَفَاعَةَ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَغْبَتَهُمْ فِيهَا ، وَعَلَى هَذَا لَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَسْأَلَ الْإِنْسَانُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَهُ شَفَاعَةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لِكَوْنِهَا لَا تَكُونُ إِلَّا لِلْمُذْنِبِينَ ؛ فَإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ كَمَا قَدَّمْنَا لِتَخْفِيفِ الْحِسَابِ ، وَزِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ ، ثُمَّ كُلُّ عَاقِلٍ مُعْتَرِفٌ بِالتَّقْصِيرِ ، مُحْتَاجٌ إِلَى الْعَفْوِ ، غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِعَمَلِهِ ، مُشْفِقٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ، وَيَلْزَمُ هَذَا الْقَائِلَ أن لا يَدْعُوَ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ ; لِأَنَّهَا لِأَصْحَابِ الذُّنُوبِ ، وَهَذَا كُلُّهُ خِلَافُ مَا عُرِفَ مِنْ دُعَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ .
هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا حُمَمًا قَدِ امْتَحَشُوا ، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ أَوِ الْحَيَا ، فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ ) أَمَّا الْحُمَمُ فَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْبَابِ السَّابِقِ ، وَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ الْمُخَفَّفَةِ وَهُوَ الْفَحْمُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ بَيَانُ الْحيةِ وَالنَّهَرِ ، وَبَيَانُ امْتَحَشُوا ، وَأَنَّهُ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْمُخْتَارِ ، وَقِيلَ : بِضَمِّهَا ، وَمَعْنَاهُ : احْتَرَقُوا . وَقَوْلُهُ : ( الْحَيَاةِ أَوِ الْحَيَا ) هَكَذَا وَقَعَ هُنَا ، وَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ : وَقَدْ صَرَّحَ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّلِ صَحِيحِهِ بِأَنَّ هَذَا الشَّكَّ مِنْ مَالِكٍ ، وَرِوَايَاتِ غَيْرِهِ : ( الْحَيَاةِ ) بِالتَّاءِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ، ثُمَّ إِنَّ ( الْحَيَا ) هُنَا مَقْصُورٌ وَهُوَ الْمَطَرُ ، سُمِّيَ حَيَا لِأَنَّهُ تَحْيَا بِهِ الْأَرْضُ ، وَلِذَلِكَ هَذَا الْمَاءُ يَحْيَا بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُحْتَرِقُونَ ، وَتَحْدُثُ فِيهِمُ النَّضَارَةُ ، كَمَا يُحْدِثُ ذَلِكَ الْمَطَرُ فِي الْأَرْضِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( كَمَا تَنْبُتُ الْغُثَاءَة ) هُوَ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ الْمُخَفَّفَةِ ، وَبِالْمَدِّ ، وَآخِرُهُ هَاءٌ ، وَهُوَ : كُلُّ مَا جَاءَ بِهِ السَّيْلُ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ مَا احْتَمَلَهُ السَّيْلُ مِنَ الْبُذُورِ ، وَجَاءَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ : كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي غُثَاءِ السَّيْلِ ، بِحَذْفِ الْهَاءِ مِنْ آخِرِهِ ، وَهُوَ مَا احْتَمَلَهُ السَّيْلُ مِنَ الزَّبَدِ ، وَالْعِيدَانِ ، وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْأَقْذَاءِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ : كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِئَةٍ أَوْ حَمِيلَةِ السَّيْلِ ) أَمَّا الْأَوَّلُ : فَهُوَ ( حَمِئَةٍ ) لفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ ، وَهِيَ الطِّينُ الْأَسْوَدُ الَّذِي يَكُونُ فِي أَطْرَافِ النَّهَرِ . وَأَمَّا الثَّانِي : فَهُوَ ( حَمِيلَةِ ) وَهِيَ وَاحِدَةُ الْحَمِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخَر بِمَعْنَى الْمَحْمُولِ ، وَهُوَ الْغُثَاءُ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ السَّيْلُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ج٣ / ص٤٠٨قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا ، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا ، وَلَا يَحْيَوْنَ ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ ، أَوْ قَالَ : بِخَطَايَاهُمْ ، فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً ، حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أَذِنَ بِالشَّفَاعَةِ ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ ، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ، ثُمَّ قِيلَ : يَا أَهْلَ الْجَنَةِ ، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ : ( أَهْلُ النَّارِ ) ، وَفِي بَعْضِهَا : أَمَّا ( أَهْلُ النَّارِ ) بِزِيَادَةِ ( أَمَّا ) ، وَهَذَا أَوْضَحُ ، وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ ، وَتَكُونُ الْفَاءُ فِي : ( فَإِنَّهُمْ ) زَائِدَةً وَهُوَ جَائِزٌ . وَقَوْلُهُ : ( فَأَمَاتَهُمْ ) أَيْ : أَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً ، وَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : ( فَأَمَاتَتْهُمْ ) بِتَاءَيْنِ ؛ أَيْ : أَمَاتَتْهُمُ النَّارُ . وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيثِ فَالظَّاهِرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ النَّارِ وَالْمُسْتَحِقُّونَ لِلْخُلُودِ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا ، وَلَا يَحْيَوْنَ حَيَاةً يَنْتَفِعُونَ بِهَا وَيَسْتَرِيحُونَ مَعَهَا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا وَكَمَا قَالَ تَعَالَى : ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا وَهَذَا جَارٍ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ نَعِيمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دَائِمٌ ، وَأَنَّ عَذَابَ أَهْلِ الْخُلُودِ فِي النَّارِ دَائِمٌ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ ) إِلَى آخِرِهِ . فَمَعْنَاهُ : أَنَّ الْمُذْنِبِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يُمِيتُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى إِمَاتَةً بَعْدَ أَنْ يُعَذَّبُوا الْمُدَّةَ الَّتِي أَرَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَهَذِهِ الْإِمَاتَةُ إِمَاتَةٌ حَقِيقِيَّةٌ يَذْهَبُ مَعَهَا الْإِحْسَاسُ ، وَيَكُونُ عَذَابُهُمْ عَلَى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ ، ثُمَّ يُمِيتُهُمْ ، ثُمَّ يَكُونُونَ مَحْبُوسِينَ فِي النَّارِ مِنْ غَيْرِ إِحْسَاسٍ الْمُدَّةَ الَّتِي قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ مَوْتَى قَدْ صَارُوا فَحْمًا ، فَيُحْمَلُونَ ضَبَائِرَ كَمَا تُحْمَلُ الْأَمْتِعَةُ ، وَيُلْقَوْنَ عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ ، وَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ فِي سُرْعَةِ نَبَاتِهَا وَضَعْفِهَا ، فَتَخْرُجُ لِضَعْفِهَا صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً ، ثُمَّ تَشْتَدُّ قُوَّتُهُمْ ، بَعْدَ ذَلِكَ وَيَصِيرُونَ إِلَى مَنَازِلِهِمْ ، وَتَكْمُلُ أَحْوَالُهُمْ ، فَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ . وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهِ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا إِمَاتَةٌ حَقِيقِيَّةٌ ، وَالثَّانِي : لَيْسَ بِمَوْتٍ حَقِيقِيٍّ ، وَلَكِنْ تَغَيَّبَ عَنْهُمْ إِحْسَاسُهُمْ بِالْآلَامِ ، قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ آلَامُهُمْ أَخَفَّ ، فَهَذَا كَلَامُ الْقَاضِي ، وَالْمُخْتَارُ مَا قَدَّمْنَاهُ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ ) فَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَاتِ وَالْأُصُولِ : ( ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ ) مُكَرَّرٌ مَرَّتَيْنِ ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ جَمْعُ ( ضِبَارَةٍ ) بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ ، حَكَاهُمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَصَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَغَيْرُهُمَا ، أَشْهَرُهُمَا الْكَسْرُ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ إِلَّا الْكَسْرَ ، وَيُقَالُ فِيهَا أَيْضًا : إِضْبَارَةٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الضَّبَائِرُ : جَمَاعَاتٌ فِي تَفْرِقَةٍ . وَرَوَى : ( ضُبَارَاتٍ ضُبَارَاتٍ ) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَبُثُّوا ) فَهُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَهَا ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ ، وَمَعْنَاهُ : فُرِّقُوا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ج٣ / ص٤٠٩قَوْلُهُ ( عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ) ، أَمَّا ( أَبُو سَعِيدٍ ) ابْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ ، وَأَمَّا ( أَبُو نَضْرَةَ ) فَاسْمُهُ : الْمُنْذِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قِطْعَةَ بِكَسْرِ الْقَافِ .
وَأَمَّا ( أَبُو مَسْلَمَةَ ) فَبِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ السِّينِ ، وَاسْمُهُ : سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ الْأَزْدِيُّ الْبَصْرِيُّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .