باب إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ وَإِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ النَّارِ
[306] 185 - وَحَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا ، وَلَا يَحْيَوْنَ ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمْ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ - أَوْ قَالَ : بِخَطَايَاهُمْ - فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً ، حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ ، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ثُمَّ قِيلَ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : كَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ بِالْبَادِيَةِ . [307] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ إِلَى قَوْلِهِ : فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ كِلَيْهِمَا ) هَكَذَا وَقَعَ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ كِلَيْهِمَا بِالْيَاءِ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا كِلَاهُمَا بِالْأَلْفِ مُصَلَّحًا ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْفُصُولِ الَّتِي فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ بَيَانَ جَوَازِهِ بِالْيَاءِ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبِيدَةَ ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، وَهُوَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( زَحْفًا ) ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْحَبْوُ : الْمَشْيُ عَلَى الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ، وَرُبَّمَا قَالُوا : عَلَى الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ ، وَرُبَّمَا قَالُوا : عَلَى يَدَيْهِ وَمَقْعَدَتِهِ . وَأَمَّا الزَّحْفُ : فَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ وَغَيْرُهُ : هُوَ الْمَشْيُ عَلَى الِاسْتِ مَعَ إِفْرَاشِهِ بِصَدْرِهِ ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ الْحَبْوُ الزَّحْفُ مُتَمَاثِلَانِ أَوْ مُتَقَارِبَانِ ، وَلَوْ ثَبَتَ اخْتِلَافُهُمَا حُمِلَ عَلَى أَنَّ فِي حَالٍ يَزْحَفُ ، وَفِي حَالٍ يَحْبُو .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( أَتَسْخَرُ بِي أَوْ تَضْحَكُ بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ ؟ ) هَذَا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي هَلْ قَالَ : أَتَسْخَرُ بِي ، أَوْ قَالَ : أَتَضْحَكُ بِي ؟ فَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَتَضْحَكُ بِي ؟ فَمَعْنَاهُ : أَتَسْخَرُ بِي ; لِأَنَّ السَّاخِرَ فِي الْعَادَةِ يَضْحَكُ مِمَّنْ يَسْخَرُ بِهِ ، فَوَضَعَ الضَّحِكَ مَوْضِعَ السُّخْرِيَةِ مَجَازًا ، وَأَمَّا مَعْنَى : ( أَتَسْخَرُ بِي ) ؟ هُنَا فَفِيهِ أَقْوَالٌ : أَحَدُهَا : قَالَهُ الْمَازِرِيُّ : أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْمُقَابَلَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ دُونَ لَفْظِهِ ; لِأَنَّهُ عَاهَدَ اللَّهَ مِرَارًا لا يَسْأَلَهُ غَيْرَ مَا سَأَلَ ، ثُمَّ غَدَرَ ، فَحَلَّ غَدْرُهُ مَحَلَّ الِاسْتِهْزَاءِ وَالسُّخْرِيَةِ ، فَقَدَّرَ الرَّجُلُ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ : ادْخُلِ الْجَنَّةَ ، وَتَرَدُّدَهُ إِلَيْهَا وَتَخْيِيلَ كَوْنِهَا مَمْلُوءَةً ضَرْبٌ مِنَ الْإِطْمَاعِ لَهُ وَالسُّخْرِيَةِ بِهِ جَزَاءً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ ج٣ / ص٤١٠غَدْرِهِ وَعُقُوبَةً لَهُ ، فَسُمِّيَ الْجَزَاءُ عَلَى السُّخْرِيَةِ سُخْرِيَةً ، فَقَالَ : أَتَسْخَرُ بِي ، أَيْ : تُعَاقِبُنِي بِالْإِطْمَاعِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ : أنَّ مَعْنَاهُ : نَفْيُ السُّخْرِيَةِ الَّتِي لَا تَجُوزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، كَأَنَّهُ قَالَ : أَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَهْزَأُ بِي لِأَنَّكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، وَمَا أَعْطَيْتَنِي مِنْ جَزِيلِ الْعَطَاءِ وَأَضْعَافِ مِثْلِ الدُّنْيَا حَقٌّ ، وَلَكِنَّ الْعَجَبَ أَنَّكَ أَعْطَيْتَنِي هَذَا وَأَنَا غَيْرُ أَهْلٍ لَهُ ، قَالَ : وَالْهَمْزَةُ فِي أَتَسْخَرُ بِي هَمْزَةُ نَفْيٍ ، قَالَ : وَهَذَا كَلَامٌ مُنْبَسِطٌ مُتَدَلِّلٌ .
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ : أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ صَدَرَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ ، وَهُوَ غَيْرُ ضَابِطٍ لِمَا قَالَهُ ؛ لِمَا نَالَهُ مِنَ السُّرُورِ بِبُلُوغِ مَا لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ ، فَلَمْ يَضْبِطْ لِسَانَهُ دَهَشًا وَفَرَحًا ، فَقَالَهُ وَهُوَ لَا يَعْتَقِدُ حَقِيقَةَ مَعْنَاهُ ، وَجَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي الدُّنْيَا فِي مُخَاطَبَةِ الْمَخْلُوقِ ، وَهَذَا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الرَّجُلِ الْآخَرِ : أَنَّهُ لَمْ يَضْبِطْ نَفْسَهُ مِنَ الْفَرَحِ فَقَالَ : أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الرِّوَايَاتِ : ( أَتَسْخَرُ بِي ؟ ) وَهُوَ صَحِيحٌ ؛ يُقَالُ : سَخِرْتُ مِنْهُ وَسَخِرْتُ بِهِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَفْصَحُ الْأَشْهَرُ ، وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ .
وَالثَّانِي فَصِيحٌ أَيْضًا ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : أنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ بِالْيَاءِ لِإِرَادَةِ مَعْنَاهُ كَأَنَّهُ قَالَ : أَتَهْزَأُ بِي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .