حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

باب إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ وَإِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ النَّارِ

[326] - حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ ، ح ، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ ، قَالَ : انْطَلَقْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَتَشَفَّعْنَا بِثَابِتٍ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي الضُّحَى ، فَاسْتَأْذَنَ لَنَا ثَابِتٌ ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ ، وَأَجْلَسَ ثَابِتًا مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا أَبَا حَمْزَةَ إِنَّ إِخْوَانَكَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَسْأَلُونَكَ أَنْ تُحَدِّثَهُمْ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ، فَيَقُولُونَ لَهُ : اشْفَعْ لِذُرِّيَّتِكَ ، فَيَقُولُ : لَسْتُ لَهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام ؛ فَإِنَّهُ خَلِيلُ اللَّهِ ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ : لَسْتُ لَهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام ؛ فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ ، فَيُؤْتَى مُوسَى فَيَقُولُ : لَسْتُ لَهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام ، فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ ، فَيُؤتَى عِيسَى ، فَيَقُولُ : لَسْتُ لَهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأُوتَى فَأَقُولُ : أَنَا لَهَا ، فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي ، فَيُؤْذَنُ لِي ، فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ الْآنَ ، يُلْهِمُنِيهِ اللَّهُ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا ، فَيُقَالُ لِي : يَا مُحَمَّدُ ، ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ ، وَسَلْ تُعْطَهْ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَقُولُ : رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي ، فَيُقَالُ : انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ بُرَّةٍ أَوْ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ، ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا ، فَيُقَالُ لِي : يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ ، وَسَلْ تُعْطَهْ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَقُولُ : أُمَّتِي أُمَّتِي ، فَيُقَالُ لِي : انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ثُمَّ أَعُودُ إِلَى رَبِّي فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا ، فَيُقَالُ لِي : يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ ، وَسَلْ تُعْطَهْ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَقُولُ : يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي ، فَيُقَالُ لِي : انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْ النَّارِ ، فَأَنْطَلِقُ ، فَأَفْعَلُ ، هَذَا حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي أَنْبَأَنَا بِهِ ، فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ ، فَلَمَّا كُنَّا بِظَهْرِ الْجَبَّانِ ، قُلْنَا : لَوْ مِلْنَا إِلَى الْحَسَنِ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ مُسْتَخْفٍ فِي دَارِ أَبِي خَلِيفَةَ ، قَالَ : فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ ، فَقُلْنَا : يَا أَبَا سَعِيدٍ جِئْنَا مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَبِي حَمْزَةَ ، فَلَمْ نَسْمَعْ مِثْلَ حَدِيثٍ حَدَّثَنَاهُ فِي الشَّفَاعَةِ قَالَ : هِيهِ ، فَحَدَّثْنَاهُ الْحَدِيثَ ، فَقَالَ : هِيهِ ، قُلْنَا : مَا زَادَنَا ، قَالَ : قَدْ حَدَّثَنَا بِهِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ جَمِيعٌ ، وَلَقَدْ تَرَكَ شَيْئًا مَا أَدْرِي أَنَسِيَ الشَّيْخُ ، أَوْ كَرِهَ أَنْ يُحَدِّثَكُمْ ، فَتَتَّكِلُوا ؟ قُلْنَا لَهُ : حَدِّثْنَا ، فَضَحِكَ ، وَقَالَ : خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ مَا ذَكَرْتُ لَكُمْ هَذَا إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ ، ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي فِي الرَّابِعَةِ ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا ، فَيُقَالُ لِي : يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ ، وَسَلْ تُعْطَ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَقُولُ : يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، قَالَ : لَيْسَ ذَاكَ لَكَ ، أَوْ قَالَ : لَيْسَ ذَاكَ إِلَيْكَ ، وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي وَجِبْرِيَائِي ، لَأُخْرِجَنَّ مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، قَالَ : فَأَشْهَدُ عَلَى الْحَسَنِ أَنَّهُ حَدَّثَنَا بِهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، أُرَاهُ قَالَ : قَبْلَ عِشْرِينَ سَنَةً ، وَهُوَ يَوْمِئِذٍ جَمِيعٌ . ج٣ / ص٤٢٩قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) إِنَّمَا قَالَ هَذَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا ، وَنَصِيحَةً لَنَا بِتَعْرِيفِنَا حَقَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قِيلَ : السَّيِّدُ الَّذِي يَفُوقُ قَوْمَهُ ، وَالذي يُفْزَعُ إِلَيْهِ فِي الشَّدَائِدِ ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَيِّدُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَإِنَّمَا خُصَّ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لِارْتِفَاعِ السُّؤْدُدِ فِيهَا ، وَتَسْلِيمُ جَمِيعِهِمْ لَهُ ، وَلِكَوْنِ آدَمَ وَجَمِيعِ أَوْلَادِهِ تَحْتَ لِوَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ أَيِ : انْقَطَعَتْ دَعَاوَى الْمُلْكِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( يَجْمَعُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، فَيُسْمِعهُمُ الدَّاعِيَ وَيَنْفَذُهُمُ الْبَصَرَ ) أَمَّا ( الصَّعِيدُ ) فَهُوَ الْأَرْضُ الْوَاسِعَةُ الْمُسْتَوِيَةُ ، وَأَمَّا ( يَنْفَذُهُمُ الْبَصَرَ ) فَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، وَذَكَرَ الْهَرَوِيُّ وَصَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ رُوِيَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَبِفَتْحِهَا ، قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : رَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ بِالْفَتْحِ ، وَبَعْضُهُمْ بِالضَّمِّ . قَالَ الْهَرَوِيُّ : قَالَ الْكِسَائِيُّ : يُقَالُ : نَفَذَنِي بَصَرَهُ إِذَا بَلَغَنِي وَجَاوَزَنِي .

قَالَ : وَيُقَالُ : أَنَفَذْتُ الْقَوْمَ إِذَا خَرَقْتُهُمْ وَمَشَيْتُ فِي وَسَطِهِمْ ، فَإِنْ جُزْتَهُمْ حَتَّى تَخَلَّفْتَهُمْ قُلْتَ : نَفَذْتُهُمْ بِغَيْرِ أَلِفٍ ، وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَقَالَ الْهَرَوِيُّ : قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : مَعْنَاهُ : يَنْفُذُهُمْ بَصَرُ الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ ، وَقَالَ غَيْرُ أَبِي عُبَيْدٍ : أَرَادَ تَخْرِقُهُمْ أَبْصَارُ النَّاظِرِينَ لِاسْتِوَاءِ الصَّعِيدِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَحَاطَ بِالنَّاسِ أَوَّلًا وَآخِرًا . هَذَا كَلَامُ الْهَرَوِيِّ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُحِيطُ بِهِمُ النَّاظِرُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ; لِاسْتِوَاءِ الْأَرْضِ ؛ أي لَيْسَ فِيهَا مَا يَسْتَتِرُ بِهِ أَحَدٌ عَنِ النَّاظِرِينَ ، قَالَ : وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدٍ : يَأْتِي عَلَيْهِمْ بَصَرُ الرَّحْمَنِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ; لِأَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى تُحِيطُ بِجَمِيعِهِمْ فِي كُلِّ حَالٍ فِي الصَّعِيدِ الْمُسْتَوِي وَغَيْرِهِ . هَذَا قَوْلُ صَاحِبِ الْمَطَالِعِ .

قَالَ الْإِمَامُ أَبُو السَّعَادَاتِ الْجَزَرِيُّ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ بَيْنَ أَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بَصَرُ الرَّحْمَنِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْ بَصَرُ النَّاظِرِ مِنَ الْخَلْقِ - : قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : أَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَرْوُونَهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ ، أَيْ : يَبْلُغُ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ حَتَّى يَرَاهُمْ كُلَّهُمْ ، وَيَسْتَوْعِبَهُمْ ، مِنْ : نَفَذَ الشَّيْءُ وَأَنْفَذْتُهُ ، قَالَ : وَحَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى بَصَرِ النَّاظِرِ ج٣ / ص٤٣٠مِنْ حَمْلِهِ عَلَى بَصَرِ الرَّحْمَنِ . هَذَا كَلَامُ أَبِي السَّعَادَاتِ ، فَحَصَلَ خِلَافٌ فِي فَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا ، وَفِي الذَّالِ ، وَالدَّالِ ، وَفِي الضَّمِيرِ فِي يُنْفِذُهُمْ ، وَالْأَصَحُّ فَتْحُ الْيَاءِ ، وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَأَنَّهُ بَصَرُ الْمَخْلُوقِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا ) هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ ، وَضَبَطَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَبِالْفَتْحِ وَالْإِسْكَانِ ، وَهَذَا لَهُ وَجْهٌ ، وَلَكِنَّ الْمُخْتَارَ مَا قَدَّمْنَاهُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَبْلَ هَذَا : أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ ، وَلَوْ كَانَ بِإِسْكَانِ الْغَيْنِ لَقَالَ : بَلَغْتُمْ . ج٣ / ص٤٣١قَوْلُهُ : ( فَيَقُولُ آدَمُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبْ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ) الْمُرَادُ بِغَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى : مَا يَظْهَرُ مِنَ انْتِقَامِهِ مِمَّنْ عَصَاهُ ، وَمَا يَرَوْنَهُ مِنْ أَلِيمِ عَذَابِهِ ، وَمَا يُشَاهِدُهُ أَهْلُ الْمَجْمَعِ مِنَ الْأَهْوَالِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ وَلَا يَكُونُ مِثْلُهَا ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِثْلُهُ ، وَلَا يَكُونُ بَعْدَهُ مِثْلُهُ ، فَهَذَا مَعْنَى غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى ، كَمَا أَنَّ رِضَاهُ ظُهُورُ رَحْمَتِهِ وَلُطْفُهُ بِمَنْ أَرَادَ بِهِ الْخَيْرَ وَالْكَرَامَةَ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ التَّغَيُّرُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَاءِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى ) ( الْمِصْرَاعَانِ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ جَانِبَا الْبَابِ ، ( وَهَجَرُ ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ ، وَهِيَ مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ هِيَ قَاعِدَةُ بِلَادِ الْبَحْرَيْنِ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ : ( هَجَرٌ ) اسْمُ بَلَدٍ مُذَكَّرٌ مَصْرُوفٌ ، قَالَ : وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ ( هَاجِرِيٌّ ) ، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيُّ فِي الْجُمَلِ : ( هَجَرٌ ) يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ، قُلْتُ : وَهَجَرٌ هَذِهِ غَيْرُ هَجَرٍ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ : " إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ " ، تِلْكَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْمَدِينَةِ كَانَتِ الْقِلَالُ تُصْنَعُ بِهَا وَهِيَ غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهَا فِي أَوَّلِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ، وَأَمَّا ( بُصْرَى ) فَبِضَمِّ الْبَاءِ وَهِيَ مَدِينَةٌ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دِمَشْقَ نَحْوُ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ ، وَهِيَ مَدِينَةُ حُورَانَ ، وبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ شَهْرٌ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( أَلَا تَقُولُونَ كَيْفَهْ ؟ قَالُوا : كَيْفَهْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ) هَذِهِ الْهَاءُ هِيَ هَاءُ السَّكْتِ تَلْحَقُ فِي ج٣ / ص٤٣٢الْوَقْفِ . وَأَمَّا قَوْلُ الصَّحَابَةِ : ( كَيْفَهْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ ) فَأَثْبَتُوا الْهَاءَ فِي حَالَةِ الدَّرَجِ فَفِيهَا وَجْهَانِ ، حَكَاهُمَا صَاحِبُ التَّحْرِيرِ وَغَيْرُهُ ، أَحَدُهُمَا : أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُجْرِي الدَّرَجَ مَجْرَى الْوَقْفِ ، وَالثَّانِي : أَنَّ الصَّحَابَةَ قَصَدُوا اتِّبَاعَ لَفْظِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي حَثَّهُمْ عَلَيْهِ ، فَلَوْ قَالُوا : ( كَيْفَ ) لَمَا كَانُوا سَائِلِينَ عَنِ اللَّفْظِ الَّذِي حَثَّهُمْ عَلَيْهِ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِلَى عِضَادَتَيِ الْبَابِ ) هُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : عِضَادَتَا الْبَابِ هُمَا خَشَبَتَاهُ مِنْ جَانِبَيْهِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث