باب كَوْنِ هَذِهِ الْأُمَّةِ نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ
[378] - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ - وَهُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ - ، عَنْ أَبِي إِسْحَقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى قُبَّةِ أَدَمٍ ، فَقَالَ : أَلَا لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ؟ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ، أَتُحِبُّونَ أَنَّكُمْ رُبُعُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ فَقُلْنَا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : أَتُحِبُّونَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؛ مَا أَنْتُمْ فِي سِوَاكُمْ مِنْ الْأُمَمِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، وَهُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ) هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ قَالَ : فَكَبَّرْنَا ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ فَكَبَّرْنَا ، ثُمَّ قَالَ : إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) أَمَّا تَكْبِيرُهُمْ فَلِسُرُورِهِمْ بِهَذِهِ الْبِشَارَةِ الْعَظِيمَةِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، ثُمَّ ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، ثُمَّ الشَّطْرَ ، وَلَمْ يَقُلْ أَوَّلًا : ( شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) فَلِفَائِدَةٍ حَسَنَةٍ ، وَهِيَ : أَنَّ ذَلِكَ أَوْقَعُ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَبْلَغُ فِي إِكْرَامِهِمْ ، فَإِنَّ إِعْطَاءَ الْإِنْسَانِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى دَلِيلٌ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِهِ وَدَوَامِ مُلَاحَظَتِهِ ، وَفِيهِ فَائِدَةٌ أُخْرَى هِيَ تَكْرِيرُهُ الْبِشَارَةَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، وَفِيهِ أَيْضًا حَمْلُهُمْ عَلَى تَجْدِيدِ شُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَكْبِيرِهِ وَحَمْدِهِ عَلَى كَثْرَةِ نِعَمِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ إِنَّهُ وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : ( شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ ، هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْهَا ثَمَانُونَ صَفًّا ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ يَكُونُونَ ثُلُثَيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَيَكُونُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ أَوَّلًا بِحَدِيثِ الشَّطْرِ ، ثُمَّ تَفَضَّلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالزِّيَادَةِ ، فَأُعْلِمَ بِحَدِيثِ الصُّفُوفِ ، فَأَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي الْحَدِيثِ مَعْرُوفَةٌ كَحَدِيثِ : ( الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ، وَبِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ) عَلَى إِحْدَى التَّأْوِيلَاتِ فِيهِ ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ وَصَلْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ ) هَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ لَا يَدْخُلِ الْجَنَّةَ أَصْلًا ، وَهَذَا النَّصُّ عَلَى عُمُومِهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . ج٣ / ص٤٥٢وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ) مَعْنَاهُ : أَنَّ التَّبْلِيغَ وَاجِبٌ عَلَيَّ ، وَقَدْ بَلَّغْتُ ، فَاشْهَدْ لِي بِهِ .