باب الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ مِنْ التَّبَرُّزِ
[71] - وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ - يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ - حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَرَّزُ لِحَاجَتِهِ فَآتِيهِ بِالْمَاءِ فَيَتَغَسَّلُ بِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( يَتَبَرَّزُ ) فَمَعْنَاهُ يَأْتِي الْبَرَازَ بِفَتْحِ الْبَاءِ ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْوَاسِعُ الظَّاهِرُ مِنَ الْأَرْضِ ، لِيَخْلُوَ لِحَاجَتِهِ وَيَسْتَتِرَ وَيَبْعُدَ عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( فَيَغْتَسِلُ بِهِ ) فَمَعْنَاهُ يَسْتَنْجِي بِهِ وَيَغْسِلُ مَحَلَّ الِاسْتِنْجَاءِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا فِقْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَفِيهَا : اسْتِحْبَابُ التَّبَاعُدِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ عَنِ النَّاسِ ، وَالِاسْتِتَارِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ ، وَفِيهَا : جَوَازُ اسْتِخْدَامِ الرَّجُلِ الْفَاضِلِ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فِي حَاجَتِهِ ، وَفِيهَا : خِدْمَةُ الصَّالِحِينَ وَأَهْلِ الْفَضْلِ وَالتَّبَرُّكُ بِذَلِكَ ، وَفِيهَا : جَوَازُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ وَاسْتِحْبَابُهُ وَرُجْحَانُهُ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى الْحَجَرِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ فَالَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْفَتْوَى مِنْ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ : أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ ، فَيَسْتَعْمِلَ الْحَجَرَ أَوَّلًا لِتَخِفَّ النَّجَاسَةُ وَتَقِلَّ مُبَاشَرَتُهَا بِيَدِهِ ، ثُمَّ يَسْتَعْمِلَ الْمَاءَ ، فَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ ، سَوَاءٌ وَجَدَ الْآخَرَ أَوْ لَمْ يَجِدْهُ ، فَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْحَجَرِ مَعَ ج٣ / ص٥٠٥وُجُودِ الْمَاءِ ، وَيَجُوزُ عَكْسُهُ ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَالْمَاءُ أَفْضَلُ مِنَ الْحَجَرِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يُطَهِّرُ الْمَحَلَّ طَهَارَةً حَقِيقَةً ، وَأَمَّا الْحَجَرُ فَلَا يُطَهِّرُهُ وَإِنَّمَا يُخَفِّفُ النَّجَاسَةَ وَيُبِيحُ الصَّلَاةَ مَعَ النَّجَاسَةِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا . وَبَعْضُ السَّلَفِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ هُوَ الْحَجَرُ ، وَرُبَّمَا أَوْهَمَ كَلَامُ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمَاءَ لَا يُجْزِي ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ : لَا يُجْزِي الْحَجَرُ إِلَّا لِمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ ، وَهَذَا خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَخِلَافُ ظَوَاهِرِ السُّنَنِ الْمُتَظَاهِرَةِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُتَوَضَّأُ مِنَ الْأَوَانِي دُونَ الْمَشَارِعِ وَالْبِرَكِ وَنَحْوِهَا ؛ إِذْ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ ، وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فِيمَا نَعْلَمْ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : هَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَدَهَا فَعَدَلَ عَنْهَا إِلَى الْأَوَانِي .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .