باب حُكْمِ وُلُوغِ الْكَلْبِ
[89] 279 - وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ وَأَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ، حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ ، وَلَمْ يَقُلْ : فَلْيُرِقْهُ . [90] - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ .
[91] - وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ . [92] - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، قَالَ : هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ .
[93] 280 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ سَمِعَ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ الْمُغَفَّلِ قَالَ : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، ثُمَّ قَالَ : مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الْغَنَمِ ، وَقَالَ : إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ . وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، ح ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ؛ كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ ، غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِنْ الزِّيَادَةِ : وَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الْغَنَمِ وَالصَّيْدِ وَالزَّرْعِ ، وَلَيْسَ ذَكَرَ الزَّرْعَ فِي الرِّوَايَةِ غَيْرُ يَحْيَى . ج٣ / ص٥١٩( 27 ) ( بَابُ حُكْمِ وُلُوغِ الْكَلْبِ ) فِيهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ، ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ) ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ) ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ) .
وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، ثُمَّ قَالَ : مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ ؟ ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ ، وَكَلْبِ الْغَنَمِ ، وَقَالَ : إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( وَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الْغَنَمِ وَالصَّيْدِ وَالزَّرْعِ ) . أَمَّا أَسَانِيدُ الْبَابِ وَلُغَاتُهُ : فَفِيهِ ( أَبُو رَزِينٍ ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ . وَفِيهِ : ( وَلَغَ الْكَلْبُ ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : يُقَالُ : وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ يَلَغُ بِفَتْحِ اللَّامِ فِيهِمَا وُلُوغًا : شَرِبَ بِطَرَفِ لِسَانِهِ ، قَالَ أَبُو زَيْدٍ : يُقَالُ : وَلَغَ الْكَلْبُ بِشَرَابِنَا ، وَفِي شَرَابِنَا ، وَمِنْ شَرَابِنَا .
وَفِيهِ : ( طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ ) الْأَشْهَرُ فِيهِ ضَمُّ الطَّاءِ ، وَيُقَالُ : بِفَتْحِهَا - لُغَتَانِ تَقَدَّمَتَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوُضُوءِ . وَفِيهِ : قَوْلُهُ فِي صَحِيفَةِ هَمَّامٍ : ( فَذَكَرَ أَحَادِيثَ ج٣ / ص٥٢٠مِنْهَا ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهَا بَيَانُ فَائِدَةِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ . وَفِيهِ قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ : ( وَلَيْسَ ذَكَرَ الزَّرْعَ فِي الرِّوَايَةِ غَيْرُ يَحْيَى ) هَكَذَا هو فِي الْأُصُولِ وَهُوَ صَحِيحٌ ، وَذَكَرَ بِفَتْحِ الذَّالِ وَالْكَافِ ، وَالزَّرْعَ مَنْصُوبٌ ، وَغَيْرُ مَرْفُوعٌ ، مَعْنَاهُ : لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ إِلَّا يَحْيَى .
وَفِيهِ : ( أَبُو التَّيَّاحِ ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ ، وَبَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتُ مُشَدَّدَةٌ ، وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ ، وَاسْمُهُ : يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ الضُّبَعِيُّ الْبَصْرِيُّ ، الْعَبْدُ الصَّالِحُ ، قَالَ شُعْبَةُ : كُنَّا نُكَنِّيهِ بِأَبِي حَمَّادٍ قَالَ : وَبَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يُكَنَى بِأَبِي التَّيَّاحِ ، وَهُوَ غُلَامٌ . وَفِيهِ : ( ابْنِ الْمُغَفَّلِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ ، وَهُوَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ الْمُزَنِيُّ ، وَقَوْلُ مُسْلِمٍ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ ، سَمِعَ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي الْمُغَفَّلِ ) قَالَ مُسْلِمٌ : ( وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ ، ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، ح ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ ) هَذِهِ الْأَسَانِيدُ مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الطُّرُقِ رِجَالُهَا بَصْرِيُّونَ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مَرَّاتٍ أَنَّ شُعْبَةَ وَاسِطِيٌّ ثُمَّ بَصْرِيٌّ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْمَذْكُورُ هُوَ الْقَطَّانُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
أَمَّا أَحْكَامُ الْبَابِ : فَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِمَّنْ يَقُولُ بِنَجَاسَةِ الْكَلْبِ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ تَكُونُ عَنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَسٍ ، وَلَيْسَ هُنَا حَدَثٌ ; فَتَعَيَّنَ النَّجَسُ ، فَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ الطَّهَارَةُ اللُّغَوِيَّةُ ، فَالْجَوَابُ : أَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ مُقَدَّمٌ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ . وَفِيهِ أَيْضًا : نَجَاسَةُ مَا وَلَغَ فِيهِ وَأَنَّهُ إِنْ كَانَ طَعَامًا مَائِعًا حَرُمَ أَكْلُهُ ; لِأَنَّ إِرَاقَتَهُ إِضَاعَةٌ لَهُ ، فَلَوْ كَانَ طَاهِرًا لَمْ يَأْمُرْنَا بِإِرَاقَتِهِ ، بَلْ قَدْ نُهِينَا عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ ، وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ أَنَّهُ يَنْجُسُ مَا وَلَغَ فِيهِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْكَلْبِ الْمَأْذُونِ فِي اقْتِنَائِهِ وَغَيْرِهِ ، وَلَا بَيْنَ كَلْبِ الْبَدَوِيِّ وَالْحَضَرِيِّ لِعُمُومِ اللَّفْظِ . وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : طَهَارَتُهُ ، وَنَجَاسَتُهُ ، وَطَهَارَةُ سُؤْرِ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ ، وَالرَّابِعُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ الْمَالِكِيِّ أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْبَدَوِيِّ وَالْحَضَرِيِّ .
وَفِيهِ : الْأَمْرُ بِإِرَاقَتِهِ ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، وَلَكِنْ هَلِ الْإِرَاقَةُ وَاجِبَةٌ لِعَيْنِهَا ، أَمْ لَا تَجِبُ إِلَّا إِذَا أَرَادَ اسْتِعْمَالَ الْإِنَاءِ أَرَاقَهُ ؟ فِيهِ خِلَافٌ ; ذَكَرَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الْإِرَاقَةَ لَا تَجِبُ لِعَيْنِهَا ، بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ ، فَإِنْ أَرَادَ اسْتِعْمَالَ الْإِنَاءِ أَرَاقَهُ ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهَا ج٣ / ص٥٢١وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَوْرِ ، وَلَوْ لَمْ يُرِدِ اسْتِعْمَالَهُ ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِهِ الْحَاوِي ، وَيَحْتَجُّ لَهُ بِمُطْلَقِ الْأَمْرِ ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ عَلَى الْمُخْتَارِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، وَيُحْتَجُّ لِلْأَوَّلِ بِالْقِيَاسِ عَلَى بَاقِي الْمِيَاهِ النَّجِسَةِ ؛ فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ إِرَاقَتُهَا بِلَا خِلَافٍ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهَا بِأَنَّ الْمُرَادَ فِي مَسْأَلَةِ الْوُلُوغِ الزَّجْرُ وَالتَّغْلِيظُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي التَّنْفِيرِ عَنِ الْكِلَابِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ : وُجُوبُ غَسْلِ نَجَاسَةِ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْجَمَاهِيرِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَكْفِي غَسْلُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ : ( سَبْعَ مَرَّاتٍ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ ( سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ ( أُخْرَاهُنَّ أَوْ أُولَاهُنَّ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( سَبْعَ مَرَّاتٍ السَّابِعَةُ بِالتُّرَابِ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ ( سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ ) .
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلَّهَا ، وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْأُولَى ، وَبِغَيْرِهَا لَيْسَ عَلَى الِاشْتِرَاطِ بَلِ الْمُرَادُ إِحْدَاهُنَّ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ : ( وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ ) فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ : أَنَّ الْمُرَادَ اغْسِلُوهُ سَبْعًا وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ بِالتُّرَابِ مَعَ الْمَاءِ ؛ فَكَأَنَّ التُّرَابَ قَائِمٌ مَقَامَ غَسْلَةٍ ، فَسُمِّيَتْ ثَامِنَةً لِهَذَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ وُلُوغِ الْكَلْبِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَجْزَائِهِ ؛ فَإِذَا أَصَابَ بَوْلُهُ أَوْ رَوْثُهُ أَوْ دَمُهُ أَوْ عَرَقُهُ أَوْ شَعْرُهُ أَوْ لُعَابُهُ أَوْ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ شَيْئًا طَاهِرًا فِي حَالِ رُطُوبَةِ أَحَدِهِمَا وَجَبَ غَسْلُهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ، وَلَوْ وَلَغَ كَلْبَانِ أَوْ كَلْبٌ وَاحِدٌ مَرَّاتٍ فِي إِنَاءٍ ؛ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا : الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ لِلْجَمِيعِ سَبْعَ مَرَّاتٍ .
وَالثَّانِي : يَجِبُ لِكُلِّ وَلْغَةٍ سَبْعٌ . وَالثَّالِثُ : يَكْفِي لِوَلَغَاتِ الْكَلْبِ الْوَاحِدِ سَبْعٌ ، وَيَجِبُ لِكُلِّ كَلْبٍ سَبْعٌ ، وَلَوْ وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ أُخْرَى فِي الْإِنَاءِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ كَفَى عَنِ الْجَمِيعِ سَبْعٌ ، وَلَا تَقُومُ الْغَسْلَةُ الثَّامِنَةُ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ وَلَا غَمْسُ الْإِنَاءِ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ وَمُكْثُهُ فِيهِ قَدْرَ سَبْعِ غَسَلَاتٍ مَقَامَ التُّرَابِ عَلَى الْأَصَحِّ . وَقِيلَ : يَقُومُ ولا يقوم الصَّابُونُ وَالْأُشْنَانُ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مَقَامَ التُّرَابِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ وُجُودِ التُّرَابِ وَعَدَمِهِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَلَا يَحْصُلُ الْغَسْلُ بِالتُّرَابِ النَّجِسِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَلَوْ كَانَتْ نَجَاسَةُ الْكَلْبِ دَمَهُ أَوْ رَوْثَهُ فَلَمْ يَزُلْ عَيْنُهُ إِلَّا بِسِتِّ غَسَلَاتٍ مَثَلًا فَهَلْ يُحْسَبُ ذَلِكَ ست غَسَلَاتٍ أَمْ غَسْلَةً وَاحِدَةً ؟ أَمْ لَا يُحْسَبُ مِنَ السَّبْعِ أَصْلًا ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا : وَاحِدَةٌ .
وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْكَلْبِ فِي هَذَا كُلِّهِ . هَذَا مَذْهَبُنَا . وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْخِنْزِيرَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى غَسْلِهِ سَبْعًا ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ قَوِيٌّ فِي الدَّلِيلِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَمَعْنَى الْغَسْلِ بِالتُّرَابِ : أَنْ يُخْلَطَ التُّرَابُ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَتَكَدَّرَ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُطْرَحَ الْمَاءُ عَلَى التُّرَابِ ، أَوِ التُّرَابُ عَلَى الْمَاءِ ، أَوْ يَأْخُذَ الْمَاءَ الْكَدِرَ مِنْ مَوْضِعٍ فَيَغْسِلُ بِهِ ، فَأَمَّا مَسْحُ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ بِالتُّرَابِ فَلَا يُجْزِي ، وَلَا يجب إِدْخَالُ الْيَدِ فِي الْإِنَاءِ ; بَلْ يَكْفِي أَنْ يُلْقِيهِ فِي الْإِنَاءِ وَيُحَرِّكَهُ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ التُّرَابُ فِي غَيْرِ الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ لِيَأْتِيَ عَلَيْهِ مَا يُنَظِّفُهُ ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأُولَى .
وَلَوْ وَلَغَ الْكَلْبُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ بِحَيْثُ لَمْ يَنْقُصْ وَلُوغُهُ عَنْ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ ، وَلَوْ وَلَغَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ أَوْ طَعَامٍ فَأَصَابَ ذَلِكَ الْمَاءُ أَوِ الطَّعَامُ ثَوْبًا أَوْ بَدَنًا أَوْ إِنَاءً آخَرَ وَجَبَ غَسْلُهُ سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ، وَلَوْ وَلَغَ فِي إِنَاءٍ فِيهِ طَعَامٌ جَامِدٌ أُلْقِي مَا أَصَابَهُ وَمَا حَوْلَهُ وَانْتُفِعَ بِالْبَاقِي عَلَى طَهَارَتِهِ السَّابِقَةِ ، كَمَا فِي الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ الْجَامِدِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، ثُمَّ قَالَ : مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ ؟ ثُمَّ ج٣ / ص٥٢٢رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الْغَنَمِ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( وَكَلْبِ الزَّرْعِ ) فَهَذَا نَهْيٌ عَنِ اقْتِنَائِهَا ، وَقَدِ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ اقْتِنَاءُ الْكَلْبِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مِثْلُ أَنْ يَقْتَنِي كَلْبًا إِعْجَابًا بِصُورَتِهِ ، أَوْ لِلْمُفَاخَرَةِ بِهِ ، فَهَذَا حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ .
وَأَمَّا الْحَاجَةُ الَّتِي يَجُوزُ الِاقْتِنَاءُ لَهَا ، فَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ بِالتَّرْخِيصِ لِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَهِيَ : الزَّرْعُ ، وَالْمَاشِيَةُ ، وَالصَّيْدُ ، وَهَذَا جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اقْتِنَائِهِ لِحِرَاسَةِ الدُّورِ وَالدُّرُوبِ ، وَفِي اقْتِنَاءِ الْجَرْوِ لِيُعَلَّمَ ; فَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَهُ ; لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ; وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَاحَهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهَا ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَنِ اقْتَنَى كَلْبَ صَيْدٍ وَهُوَ رَجُلٌ لَا يَصِيدُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الْأَمْرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ; فَقَالَ أَصْحَابُنَا : إِنْ كَانَ الْكَلْبُ عَقُورًا قُتِلَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَقُورًا لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مِنَ الْمَنَافِعِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْمَعَالِي إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَالْأَمْرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ مَنْسُوخٌ ، قَالَ : وَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ مَرَّةً ، ثُمَّ صَحَّ أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْلِهَا ، قَالَ : وَاسْتَقَرَّ الشَّرْعُ عَلَيْهِ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ . قَالَ : وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ، وَكَانَ هَذَا فِي الِابْتِدَاءِ وَهُوَ الْآنَ مَنْسُوخٌ . هَذَا كَلَامُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ ، وَلَا مَزِيدَ عَلَى تَحْقِيقِهِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .