حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

باب وُجُوبِ غَسْلِ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ إِذَا حَصَلَتْ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ بِالْمَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى حَفْرِهَا

[100] 285 - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - وَهُوَ عَمُّ إِسْحَقَ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَهْ مَهْ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُزْرِمُوهُ ، دَعُوهُ ، فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُ ، فَقَالَ لَهُ : إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْ الْقَوْمِ ، فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فِيهِ : صِيَانَةُ الْمَسَاجِدِ وَتَنْزِيهُهَا عَنِ الْأَقْذَارِ وَالْقَذَى وَالْبُصَاقِ وَرَفْعِ الْأَصْوَاتِ وَالْخُصُومَاتِ ، وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ ، وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ . وَفِي هَذَا الْفَصْلِ مَسَائِلُ يَنْبَغِي أَنْ أَذْكُرَ أَطْرَافًا مِنْهَا مُخْتَصَرَةً .

أَحَدُهَا : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمُحْدِثِ ، فَإِنْ كَانَ جُلُوسُهُ لِعِبَادَةٍ مِنَ اعْتِكَافٍ أَوْ قِرَاءَةِ عِلْمٍ أَوْ سَمَاعِ مَوْعِظَةٍ أَوِ انْتِظَارِ صَلَاةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ج٣ / ص٥٢٦كَانَ مُسْتَحَبًّا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مُبَاحًا ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إِنَّهُ مَكْرُوهٌ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ . الثَّانِيَةُ : يَجُوزُ النَّوْمُ عِنْدَنَا فِي الْمَسْجِدِ ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ( الْأُمِّ ) ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي ( الْإِشْرَاقِ ) : رَخَّصَ فِي النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ ابْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا تَتَّخِذُوهُ مَرْقَدًا ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ كُنْتَ تَنَامُ فِيهِ لِصَلَاةٍ فَلَا بَأْسَ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يُكْرَهُ النَّوْمُ فِي الْمَسْجِدِ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِلْغُرَبَاءِ ، وَلَا أَرَى ذَلِكَ لِلْحَاضِرِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : إِنْ كَانَ مُسَافِرًا أَوْ شِبْهَهُ فَلَا بَأْسَ ، وَإِنِ اتَّخَذَهُ مَقِيلًا أَوْ مَبِيتًا فَلَا ، وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ ، هَذَا مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَاحْتَجَّ مَنْ جَوَّزَهُ بِنَوْمِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَابْنِ عُمَرَ وَأَهْلِ الصُّفَّةِ ، وَالْمَرْأَةِ صَاحِبَةِ الْوِشَاحِ ، وَالْغَرِيبِينِ ، وَثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ ، وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ .

وَغَيْرِهِمْ ، وَأَحَادِيثُهُمْ فِي الصَّحِيحِ مَشْهُورَةٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَيَجُوزُ أَنْ يُمَكَّنَ الْكَافِرُ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ بِإِذْنِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيُمْنَعُ مِنْ دُخُولِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ .

الثَّالِثَةُ : قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَبَاحَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ الْعِلْمُ الْوُضُوءَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ فِي مَكَانٍ يَبُلُّهُ ، أَوْ يَتَأَذَّى النَّاسُ بِهِ ؛ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ ، وَنَقَلَ الْإِمَامُ وَالْحَسَنُ بْنُ بَطَّالٍ الْمَالِكِيُّ هَذَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالْحَنَفِيِّ ، وَابْنِ الْقَاسِمِ الْمَالِكِيِّ ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، وَمَالِكٍ ، وَسَحْنُونَ ، أَنَّهُمْ كَرِهُوهُ تَنْزِيهًا لِلْمَسْجِدِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الرَّابِعَةُ : قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : يُكْرَهُ إِدْخَالُ الْبَهَائِمِ وَالْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ الَّذِينَ لَا يُمَيِّزُونَ الْمَسْجِدَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مَقْصُودَةٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ تَنْجِيسُهُمُ الْمَسْجِدَ ، وَلَا يَحْرُمُ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ عَلَى الْبَعِيرِ ، وَلَا يَنْفِي هَذَا الْكَرَاهَةَ ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ بَيَانًا لِلْجَوَازِ ، أَوْ لِيَظْهَرَ لِيُقْتَدَى بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الْخَامِسَةُ : يَحْرُمُ إِدْخَالُ النَّجَاسَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ ، وَأَمَّا مَنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ فَإِنْ خَافَ تَنْجِيسَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الدُّخُولُ ، فَإِنْ أَمِنَ ذَلِكَ جَازَ ، وَأَمَّا إِذَا افْتَصَدَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ إِنَاءٍ فَحَرَامٌ ، وَإِنْ قَطَرَ دَمُهُ فِي إِنَاءٍ فَمَكْرُوهٌ ، وَإِنْ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فِي إِنَاءٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا : أَنَّهُ حَرَامٌ : وَالثَّانِي : مَكْرُوهٌ . السَّادِسَةُ : يَجُوزُ الِاسْتِلْقَاءُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَهَزُّ الرِّجْلِ ، وَتَشْبِيكُ الْأَصَابِعِ ; لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

السَّابِعَةُ : يُسْتَحَبُّ اسْتِحْبَابًا مُتَأَكِّدًا كَنْسُ الْمَسْجِدِ وَتَنْظِيفُهُ ; لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ فِيهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَهْ مَهْ ) هِيَ كَلِمَةُ زَجْرٍ ، وَيُقَالُ : ( بَهْ بَهْ ) بِالْبَاءِ أَيْضًا .

قَالَ الْعُلَمَاءُ : هُوَ اسْمٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ ، مَعْنَاهُ : اسْكُتْ ، قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : هِيَ كَلِمَةُ زَجْرٍ ، قِيلَ : أَصْلُهَا : مَا هَذَا ؟ وثُمَّ حُذِفَ تَخْفِيفًا ، قَالَ : وَتُقَالُ مُكَرَّرَةً : ( مَهْ مَهْ ) وَتُقَالُ فردة : ( مَهْ ) ، وَمِثْلُهُ ( بَهْ بَهْ ) ، وَقَالَ يَعْقُوبُ : هِيَ لِتَعْظِيمِ الْأَمْرِ ( كَـ بَخٍ بَخٍ ) وَقَدْ تُنَوَّنُ مَعَ الْكَسْرِ ، وَيُنَوَّنُ الْأَوَّلُ وَيُكْسَرُ الثَّانِي بِغَيْرِ تَنْوِينٍ . هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْمَطَالِعِ . وَذَكَرَهُ أَيْضًا غَيْرُهُ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَجَاءَ بِدَلْوٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ ) يُرْوَى بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ ، وَهُوَ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ وَالرِّوَايَاتِ بِالْمُعْجَمَةِ ، وَمَعْنَاهُ : صَبَّهُ . وَفَرَّقَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ : هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ الصَّبُّ فِي سُهُولَةٍ ، وَبِالْمُعْجَمَةِ التَّفْرِيقُ فِي صَبِّهِ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث