باب حُكْمِ بَوْلِ الطِّفْلِ الرَّضِيعِ وَكَيْفِيَّةِ غَسْلِهِ
[101] 286 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ ، فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ ، وَيُحَنِّكُهُمْ ، فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ ، فَبَالَ عَلَيْهِ ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ . [102] - وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَبِيٍّ يَرْضَعُ ، فَبَالَ فِي حَجْرِهِ ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ . وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا عِيسَى ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ .
[103] 287 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ ، أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنٍ لَهَا لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ ، فَوَضَعَتْهُ فِي حَجْرِهِ ، فَبَالَ ، قَالَ : فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالْمَاءِ . وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، جَمِيعًا عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَقَالَ : فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ . [104] وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّ أُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ - وَكَانَتْ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ اللَّاتِي بَايَعْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ أُخْتُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ ، أَحَدُ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ - قَالَ : أَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنٍ لَهَا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : أَخْبَرَتْنِي أَنَّ ابْنَهَا ذَاكَ بَالَ فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَاءٍ ، فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلًا .
ج٣ / ص٥٢٧( 31 ) ( بَابُ حُكْمِ بَوْلِ الطِّفْلِ الرَّضِيعِ وَكَيْفِيَّةِ غَسْلِهِ ) فِيهِ ( عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ ، وَيُحَنِّكُهُمْ ، فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَيْهِ ، فَدَعَا بِمَاءٍ ، فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَبِيٍّ يَرْضَعُ ، فَبَالَ فِي حِجْرِهِ ، فَدَعَا بِمَاءٍ ، فَصَبَّهُ عَلَيْهِ ) وَفِي رِوَايَةِ أُمِّ قَيْسٍ : ( أَنَّهَا أَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِابْنٍ لَهَا لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ ، فَوَضَعَتْهُ فِي حِجْرِهِ ، فَبَالَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالْمَاءِ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( فَنَضَحَهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلًا ) ، الصِّبْيَانُ بِكَسْرِ الصَّادِ ، هَذِهِ اللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ ، وَحَكَى ابْنُ دُرَيْدٍ ضَمَّهَا . قَوْلُهُ : ( فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ ) أَيْ : يَدْعُو لَهُمْ ، وَيَمْسَحُ عَلَيْهِمْ ، وَأَصْلُ الْبَرَكَةِ : ثُبُوتُ الْخَيْرِ وَكَثْرَتُهُ . وَقَوْلُه : ( فَيُحَنِّكُهُمْ ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : التَّحْنِيكُ أَنْ يَمْضُغَ التَّمْرَ أَوْ نَحْوَهُ ثُمَّ يُدَلِّكُ بِهِ حَنَكَ الصَّغِيرِ ، وَفِيهِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ حَنَّكْتُهُ وَحَنَكْتُهُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ ، وَالرِّوَايَةُ هُنَا ( فَيُحَنِّكُهُمْ ) بِالتَّشْدِيدِ ، وَهِيَ أَشْهَرُ اللُّغَتَيْنِ .
وَقَوْلُهَا : ( فَبَالَ فِي حِجْرِهِ ) ، يُقَالُ : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا - لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ . وَقَوْلُهَا : ( بِصَبِيٍّ يَرْضَعُ ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ ، أَيْ رَضِيعٌ ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُفْطَمْ . أَمَّا أَحْكَامُ الْبَابِ : فَفِيهِ : اسْتِحْبَابُ تَحْنِيكِ الْمَوْلُودِ .
وَفِيهِ : التَّبَرُّكُ بِأَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ . وَفِيهِ : اسْتِحْبَابُ حَمْلِ الْأَطْفَالِ إِلَى أَهْلِ الْفَضْلِ لِلتَّبَرُّكِ بِهِمْ ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الِاسْتِحْبَابِ الْمَوْلُودُ فِي حَالِ وِلَادَتِهِ وَبَعْدَهَا . وَفِيهِ : النَّدْبُ إِلَى حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ ، وَاللِّينِ وَالتَّوَاضُعِ وَالرِّفْقِ بِالصِّغَارِ وَغَيْرِهِمْ .
وَفِيهِ : مَقْصُودُ الْبَابِ وَهُوَ : أَنَّ بَوْلَ الصَّبِيِّ يَكْفِي فِيهِ النَّضْحُ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ طَهَارَةِ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالْجَارِيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبٍ ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا : الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الْمُخْتَارُ : أَنَّهُ يَكْفِي النَّضْحُ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ ، وَلَا يَكْفِي فِي بَوْلِ الْجَارِيَةِ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ يَكْفِي النَّضْحُ فِيهِمَا . وَالثَّالِثُ : لَا يَكْفِي النَّضْحُ فِيهِمَا .
وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ التَّتِمَّةِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُ ، وَهُمَا شَاذَّانِ ضَعِيفَانِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِالْفَرْقِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَالْحَسَنُ ج٣ / ص٥٢٨الْبَصْرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَابْنُ وَهْبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِوُجُوبِ غَسْلِهِمَا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ إِنَّمَا هُوَ فِي كَيْفِيَّةِ تَطْهِيرِ الشَّيْءِ الَّذِي بَالَ عَلَيْهِ الصَّبِيُّ ، وَلَا خِلَافَ فِي نَجَاسَتِهِ ، وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ الصَّبِيِّ ، وَأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إِلَّا دَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : وَلَيْسَ تَجْوِيزُ مَنْ جَوَّزَ النَّضْحَ فِي الصَّبِيِّ مِنْ أَجْلِ أَنَّ بَوْلَهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ ، وَلَكِنَّهُ مِنْ أَجْلِ التَّخْفِيفِ فِي إِزَالَتِهِ ، فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ . وَأَمَّا مَا حَكَاهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَطَّالٍ ، ثُمَّ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : بَوْلُ الصَّبِيِّ طَاهِرٌ فَيُنْضَحُ ، فَحِكَايَةٌ بَاطِلَةٌ قَطْعًا .
وَأَمَّا حَقِيقَةُ النَّضْحِ هُنَا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهَا ، فَذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي أَصَابَهُ الْبَوْلُ يُغْمَرُ بِالْمَاءِ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ ، بِحَيْثُ لَوْ عُصِرَ لَا يُعْصَرُ . قَالُوا : وَإِنَّمَا يُخَالِفُ هَذَا غَيْرَهُ فِي أَنَّ غَيْرَهُ يَشْتَرِطُ عَصْرَهُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَهَذَا لَا يُشْتَرَطُ بِالِاتِّفَاقِ ، وَذَهَبَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَنَّ النَّضْحَ أَنْ يُغْمَرَ وَيُكَاثَرَ بِالْمَاءِ مُكَاثَرَةً لَا يَبْلُغُ جَرَيَانَ الْمَاءِ وَتَرَدُّدَهُ وَتَقَاطُرَهُ ، بِخِلَافِ الْكَاثَرَةِ فِي غَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَجْرِي بَعْضُ الْمَاءِ ، وَيُقَاطَرُ مِنَ الْمَحَلِّ ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ عَصْرُهُ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهَا ( فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ ) . وَقَوْلُهُ ( فَرَشَّهُ ) أَيْ نَضَحَهُ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ إِنَّ النَّضْحَ إِنما يجري مَا دَامَ الصَّبِيُّ يَقْتَصِرُ بِهِ عَلَى الرَّضَاعِ ، أَمَّا إِذَا أَكَلَ الطَّعَامَ عَلَى جِهَةِ التَّغْذِيَةِ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ الْغَسْلُ بِلَا خِلَافٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ج٣ / ص٥٢٩