كِتَاب الزَّكَاةِ
كِتَاب الزَّكَاةِ [1] ( 979 ) - وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ : سَأَلْتُ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ ، فَأَخْبَرَنِي عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ . [2] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ . ح وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ .
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : وَأَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَفِّهِ بِخَمْسِ أَصَابِعِهِ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ . هِيَ فِي اللُّغَةِ : النَّمَاءُ وَالتَّطْهِيرُ ، فَالْمَالُ يُنْمَى بِهَا مِنْ حَيْثُ لَا يُرَى ، وَهِيَ مَطْهَرَةٌ لِمُؤَدِّيهَا مِنَ الذُّنُوبِ ، وَقِيلَ : يُنْمَى أَجْرُهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى . وَسُمِّيَتْ فِي الشَّرْعِ زَكَاةٌ لِوُجُودِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فِيهَا ، وَقِيلَ : لِأَنَّهَا تُزَكِّي صَاحِبَهَا وَتَشْهَدُ بِصِحَّةِ إِيمَانِهِ ، كَمَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ .
قَالُوا : وَسُمِّيَتْ صَدَقَةً ؛ لِأَنَّهَا دَلِيلٌ لِتَصْدِيقِ صَاحِبِهَا وَصِحَّةِ إِيمَانِهِ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قَالَ الْمَازِرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : قَدْ أَفْهَمَ الشَّرْعُ أَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ لِلْمُوَاسَاةِ ، وَأَنَّ الْمُوَاسَاةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي مَالٍ لَهُ بَالٌ وَهُوَ النِّصَابُ ، ثُمَّ جَعَلَهَا فِي الْأَمْوَالِ الثَّابِتَةِ ؛ وَهِيَ الْعَيْنُ وَالزَّرْعُ وَالْمَاشِيَةُ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهَا كَالْعُرُوضِ ، فَالْجُمْهُورُ يُوجِبُونَ زَكَاةَ الْعُرُوضِ ، وَدَاوُدُ يَمْنَعُهَا تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى مَا كَانَ لِلْقِنْيَةِ ، وَحَدَّدَ الشَّرْعُ نِصَابَ كُلِّ جِنْسٍ بِمَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ ؛ فَنِصَابُ الْفِضَّةِ : خَمْسُ أَوَاقٍ ، وَهِيَ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، بِنَصِّ الْحَدِيثِ وَالْإِجْمَاعِ . وَأَمَّا الذَّهَبُ : فَعِشْرُونَ مِثْقَالًا . وَالْمُعَوَّلُ فِيهِ عَلَى الْإِجْمَاعِ قَالَ : وَقَدْ حُكِيَ فِيهِ خِلَافٌ شَاذٌّ ، وَوَرَدَ فِيهِ أَيْضًا حَدِيثٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَأَمَّا الزُّرُوعُ وَالثِّمَارُ وَالْمَاشِيَةُ فَنُصُبُهَا مَعْلُومَةٌ ، وَرَتَّبَ الشَّرْعُ مِقْدَارَ الْوَاجِبِ بِحَسَبِ الْمُؤْنَةِ وَالتَّعَبِ فِي الْمَالِ ، فَأَعْلَاهَا وَأَقَلُّهَا تَعَبًا الرِّكَازُ وَفِيهِ الْخُمُسُ لِعَدَمِ التَّعَبِ فِيهِ ، وَيَلِيهِ الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ ، فَإِنْ سُقِيَ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَنَحْوِهِ فَفِيهِ الْعُشُرُ ، وَإِلَّا فَنِصْفُهُ ، وَيَلِيهِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالتِّجَارَةُ وَفِيهَا رُبُعُ الْعُشُرِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْعَمَلِ فِيهِ جَمِيعَ السَّنَةِ ، وَيَلِيهِ الْمَاشِيَةُ فَإِنَّهُ يَدْخُلُهَا الْأَوْقَاصُ بِخِلَافِ الْأَنْوَاعِ السَّابِقَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ ) الْأَوْسُقُ جَمْعُ وَسْقٍ ، فِيهِ لُغَتَانِ : فَتْحُ الْوَاوِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ، وَكَسْرُهَا .
وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الْحَمْلُ ، وَالْمُرَادُ بِالْوَسْقِ سِتُّونَ صَاعًا كُلُّ صَاعٍ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ ، وَفِي رِطْلِ بَغْدَادَ أَقْوَالٌ أَظْهَرُهَا : أَنَّهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ ، وَقِيلَ : مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ بِلَا أَسْبَاغٍ ، وَقِيلَ : مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ ، فَالْأَوْسُقُ الْخَمْسَةُ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ بِالْبَغْدَادِيِّ . وَهَلْ هَذَا التَّقْدِيرُ بِالْأَرْطَالِ تَقْرِيبٌ أَمْ تَحْدِيدٌ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا : أَصَحُّهُمَا : تَقْرِيبٌ ، فَإِذَا نُقِصَ عَنْ ذَلِكَ يَسِيرٌ أُوِجِبَتِ الزَّكَاةُ ، وَالثَّانِي : تَحْدِيدٌ ، فَمَتَى نَقَصَ شَيْئًا وَإِنْ قَلَّ لَمْ تَجِبِ الزَّكَاةُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَائِدَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي هَذِهِ الْمَحْدُودَاتِ ، الثَّانِيَةُ : أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَاتَيْنِ إِلَّا مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ السَّلَفِ : إِنَّهُ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي قَلِيلِ الْحَبِّ وَكَثِيرِهِ ، وَهَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ مُنَابِذٌ لِصَرِيحِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ فِي عِشْرِينَ مِثْقَالًا مِنَ الذَّهَبِ زَكَاةً إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا : لَا تَجِبُ فِي أَقَلِّ مِنْ أَرْبَعِينَ مِثْقَالًا ، وَالْأَشْهَرُ عَنْهُمَا الْوُجُوبُ فِي عِشْرِينَ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، وَإِنْ كَانَ دُونَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا ، قَالَ هَذَا الْقَائِلُ : وَلَا زَكَاةَ فِي الْعِشْرِينَ حَتَّى تَكُونَ قِيمَتُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ . وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا فِيمَا زَادَ فِي الْحَبِّ وَالتَّمْرِ أَنَّهُ يَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ بِحِسَابِهِ ، وَأَنَّهُ لَا أَوْقَاصَ فِيهَا ، وَاخْتَلَفُوا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ : إِنَّ فِيمَا زَادَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ رُبُعَ الْعُشُرِ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَلَا وَقْصَ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ السَّلَفِ : لَا شَيْءَ فِيمَا زَادَ عَلَى مِائَتَيْ دِرْهَمٍ حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَلَا فِيمَا زَادَ عَلَى عِشْرِينَ دِينَارًا حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ ، فَإِذَا زَادَتْ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ ؛ وَفِي كُلِّ أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ دِرْهَمٌ فَجَعَلَ لَهَا وَقْصًا كَالْمَاشِيَةِ ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ : فِي الرِّقَّةِ رُبُعُ الْعُشُرِ ، وَالرِّقَّةُ الْفِضَّةُ ، وَهَذَا عَامٌّ فِي النِّصَابِ وَمَا فَوْقَهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْحُبُوبِ . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ ، قَالَ الْقَاضِي : ثُمَّ إِنَّ مَالِكًا وَالْجُمْهُورَ يَقُولُونَ بِضَمِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بَعْضِهِمَا إِلَى بَعْضٍ فِي إِكْمَالِ النِّصَابِ ، ثُمَّ إِنَّ مَالِكًا يُرَاعِي الْوَزْنَ وَيَضُمُّ عَلَى الْأَجْزَاءِ لَا عَلَى الْقِيَمِ ، وَيَجْعَلُ كُلَّ دِينَارٍ كَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى الصَّرْفِ الْأَوَّلِ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يُضَمُّ عَلَى الْقِيَمِ فِي وَقْتِ الزَّكَاةِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : لَا يُضَمُّ مُطْلَقًا .
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ ) الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ : ( خَمْسِ ذَوْدٍ ) بِإِضَافَةِ ذَوْدٍ إِلَى خَمْسٍ ، وَرُوِيَ بِتَنْوِينِ خَمْسٍ وَيَكُونُ ذَوْدٌ بَدَلًا مِنْهُ ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا ، وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي عَنِ الْجُمْهُورِ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الذَّوْدُ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ ، لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ ، إِنَّمَا يُقَالُ فِي الْوَاحِدِ بَعِيرٌ ، وَكَذَلِكَ النَّفَرُ وَالرَّهْطُ وَالْقَوْمُ وَالنِّسَاءُ وَأَشْبَاهُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا ، قَالُوا : وَقَوْلُهُ : ( خَمْسِ ذَوْدٍ ) كَقَوْلِهِ : خَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ ، وَخَمْسَةِ جِمَالٍ ، وَخَمْسِ نُوقٍ ، وَخَمْسِ نِسْوَةٍ . قَالَ سِيبَوَيْهِ : تَقُولُ ثَلَاثُ ذَوْدٍ ؛ لِأَنَّ الذَّوْدَ مُؤَنَّثٌ وَلَيْسَ بِاسْمِ كَسْرٍ عَلَيْهِ مُذَكَّرُهُ ، ثُمَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الذَّوْدَ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى الْعَشَرَةِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : مَا بَيْنَ ثَلَاثٍ إِلَى تِسْعٍ ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْإِنَاثِ ، وَقَالَ الْحَرْبِيُّ : قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : الذَّوْدُ : مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى الْعَشَرَةِ ، وَالصُّبَّةُ : خَمْسٌ أَوْ سِتٌّ ، وَالصِّرْمَةُ : مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْعِشْرِينَ ، وَالْعَكَرَةُ : مَا بَيْنَ الْعِشْرِينَ إِلَى الثَّلَاثِينَ ، وَالْهَجْمَةُ : مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ ، وَالْهُنَيَّةُ : مِائَةٌ ، وَالْحَظْرُ نَحْوُ مِائَتَيْنِ ، وَالْعَرْجُ : مِنْ خَمْسِمِائَةٍ إِلَى أَلْفٍ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ : الصِّرْمَةُ : مَا بَيْنَ الْعَشْرِ إِلَى الْأَرْبَعِينَ .
وَأَنْكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنْ يُقَالَ : خَمْسُ ذَوْدٍ ، كَمَا لَا يُقَالُ : خَمْسُ ثَوْبٍ ، وَغَلَّطَهُ الْعُلَمَاءُ ، بَلْ هَذَا اللَّفْظُ شَائِعٌ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَمَسْمُوعٌ مِنَ الْعَرَبِ مَعْرُوفٌ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ ، وَلَيْسَ هُوَ جَمْعًا لِمُفْرَدٍ بِخِلَافِ الْأَثْوَابِ ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ : تَرَكُوا الْقِيَاسَ فِي الْجَمْعِ ؛ فَقَالُوا : خَمْسُ ذَوْدٍ لِخَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ ، وَثَلَاثُ ذَوْدٍ لِثَلَاثٍ مِنَ الْإِبِلِ ، وَأَرْبَعُ ذَوْدٍ ، وَعَشْرُ ذَوْدٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ كَمَا قَالُوا : ثَلَاثُمِائَةٍ وَأَرْبَعُمِائَةٍ ، وَالْقِيَاسُ مِئِينَ وَمِئَاتٌ ، وَلَا يَكَادُونَ يَقُولُونَهُ ، وَقَدْ ضَبَطَهُ الْجُمْهُورُ خَمْسِ ذَوْدٍ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ خَمْسَةِ ذَوْدٍ ، وَكِلَاهُمَا لِرُوَاةِ كِتَابِ مُسْلِمٍ ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فِي اللُّغَةِ ، فَإِثْبَاتُ الْهَاءِ لِانْطِلَاقِهِ عَلَى الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ ، وَمَنْ حَذَفَهَا قَالَ الدَّاوُدِيُّ : أَرَادَ أَنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُ فَرِيضَةٌ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقِيّ صَدَقَةٌ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى : ( أَوَاقِيّ ) بِالْيَاءِ ، وَفِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ بَعْدَهَا ( أَوَاقٍ ) بِحَذْفِ الْيَاءِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْأُوقِيَّةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ ، وَجَمْعُهَا أَوَاقِيٌّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا ، وَأَوَاقٍ بِحَذْفِهَا ، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ فِي الْإِصْلَاحِ : كُلُّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَاحِدُهُ مُشَدَّدًا جَازَ فِي جَمْعِهِ التَّشْدِيدُ وَالتَّخْفِيفُ ، فَالْأُوقِيَّةُ وَالْأَوَاقِيُّ ، وَالسُّرِّيَّةُ وَالسَّرَارِيُّ ، وَالْخُتِّيَّةُ ، وَالْعُلِّيَّةُ ، وَالْأُثْفِيَّةُ ، وَنَظَائِرُهَا ، وَأَنْكَرَ جُمْهُورُهُمْ أَنْ يُقَالَ فِي الْوَاحِدَةِ : ( وُقِيَّةٌ ) بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ ، وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ جَوَازَهَا بِحَذْفِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَجَمْعِهَا ( وَقَايَا ) ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَأَئِمَّةُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الْأُوقِيَّةَ الشَّرْعِيَّةَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ، وَهِيَ أُوقِيَّةُ الْحِجَازِ : قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْأُوقِيَّةُ وَالدَّرَاهِمُ مَجْهُولَةً فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ يُوجِبُ الزَّكَاةَ فِي أَعْدَادٍ مِنْهَا ، وَيَقَعُ بِهَا الْبِيَاعَاتُ وَالْأَنْكِحَةُ كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، قَالَ : وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الدَّرَاهِمَ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً إِلَى زَمَانِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ، وَأَنَّهُ جَمَعَهَا بِرَأْيِ الْعُلَمَاءِ وَجَعَلَ كُلَّ عَشَرَةٍ وَزْنَ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ ، وَوَزْنُ الدِّرْهَمِ سِتَّةُ دَوَانِيقَ ، قَوْلٌ بَاطِلٌ ، وَإِنَّمَا مَعْنَى مَا نُقِلَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ ، وَعَلَى صِفَةٍ لَا تَخْتَلِفُ ، بَلْ كَانَتْ مَجْمُوعَاتٍ مِنْ ضَرْبِ فَارِسَ وَالرُّومِ وَصِغَارًا وَكِبَارًا ، وَقِطَعَ فِضَّةٍ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ وَلَا مَنْقُوشَةٍ ، وَيَمَنِيَّةٍ وَمَغْرِبِيَّةٍ ، فَرَأَوْا صَرْفَهَا إِلَى ضَرْبِ الْإِسْلَامِ وَنَقْشِهِ وَتَصْيِيرَهَا وَزْنًا وَاحِدًا لَا يَخْتَلِفُ ، وَأَعْيَانًا لِيُسْتَغْنَى فِيهَا عَنِ الْمَوَازِينِ ، فَجَمَعُوا أَكْبَرَهَا وَأَصْغَرَهَا وَضَرَبُوهُ عَلَى وَزْنِهِمْ ، قَالَ الْقَاضِي : وَلَا شَكَّ أَنَّ الدَّرَاهِمَ كَانَتْ حِينَئِذٍ مَعْلُومَةً ، وَإِلَّا فَكَيْفَ كَانَتْ تُعَلَّقُ بِهَا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا وَحُقُوقُ الْعِبَادِ ؟ وَلِهَذَا كَانَتِ الْأُوقِيَّةُ مَعْلُومَةً ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي .
وَقَالَ أَصْحَابُنَا : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ عَلَى التَّقْدِيرِ بِهَذَا الْوَزْنِ الْمَعْرُوفِ ، وَهُوَ أَنَّ الدِّرْهَمَ سِتَّةُ دَوَانِيقَ وَكُلَّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ ، وَلَمْ يَتَغَيَّرِ الْمِثْقَالُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا الْإِسْلَامِ .