باب التَّلْبِيَةِ وَصِفَتِهَا وَوَقْتِهَا
1185 - وَحَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْيَمَامِيُّ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ يَعْنِي ابْنَ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ : لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ قَالَ : فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَيْلَكُمْ قَدْ قَدْ فَيَقُولُونَ : إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ : لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ، قَالَ : فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَيْلكُمْ قَدْ قَدْ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ ، يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ ) فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( قَدْ قَدْ ) قَالَ الْقَاضِي : رُوِيَ بِإِسْكَانِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا مَعَ التَّنْوِينِ ، وَمَعْنَاهُ : كَفَاكُمْ هَذَا الْكَلَامُ فَاقْتَصِرُوا عَلَيْهِ وَلَا تَزِيدُوا ، وَهُنَا انْتَهَى كَلَامُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ عَادَ الرَّاوِي إِلَى حِكَايَةِ كَلَامِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : ( إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ . إِلَى آخِرِهِ ) مَعْنَاهُ : أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : اقْتَصِرُوا عَلَى قَوْلِكُمْ : ( لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ) .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا حُكْمُ التَّلْبِيَةِ فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي إِيجَابِهَا ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ : هِيَ سُنَّةٌ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْحَجِّ وَلَا بِوَاجِبَةٍ ، فَلَوْ تَرَكَهَا صَحَّ حَجُّهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ ، لَكِنْ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : هِيَ وَاجِبَةٌ تُجْبَرُ بِالدَّمِ ، وَيَصِحُّ الْحَجُّ بِدُونِهَا ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : هِيَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْإِحْرَامِ ، قَالَ : وَلَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ وَلَا الْحَجُّ إِلَّا بِهَا ، وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا مَا قَدَّمْنَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ، وَلَكِنْ لَوْ تَرَكَهَا لَزِمَهُ دَمٌ وَصَحَّ حَجُّهُ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ : يَنْعَقِدُ الْحَجُّ بِالنِّيَّةِ بِالْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ ، كَمَا يَنْعَقِدُ الصَّوْمُ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِانْضِمَامِ التَّلْبِيَةِ أَوْ سَوْقِ الْهَدْيِ إِلَى النِّيَّةِ ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَيَجْزِي عَنِ التَّلْبِيَةِ مَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ كَمَا قَالَ : هُوَ أَنَّ التَّسْبِيحَ وَغَيْرَهُ يَجْزِي فِي الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ عَنِ التَّكْبِيرِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ بِحَيْثُ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ ، وَالْمَرْأَةُ لَيْسَ لَهَا الرَّفْعُ ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ الْفِتْنَةُ بِصَوْتِهَا .
وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْهَا لَا سِيَّمَا عِنْدَ تَغَايُرِ الْأَحْوَالِ ، كَإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَالصُّعُودِ وَالْهُبُوطِ ، وَاجْتِمَاعِ الرِّفَاقِ ، وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ ، وَالرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ ، وَأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ ، وَفِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُلَبِّي فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ ؛ لِأَنَّ لَهُمَا أَذْكَارًا مَخْصُوصَةً . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَرِّرَ التَّلْبِيَةَ كُلَّ مَرَّةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَكْثَرَ ، وَيُوَالِيَهَا وَلَا يَقْطَعُهَا بِكَلَامٍ ، فَإِنْ سُلِّمَ عَلَيْهِ رَدَّ السَّلَامَ بِاللَّفْظِ ، وَيُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ . وَإِذَا لَبَّى صَلَّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى مَا شَاءَ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ أَحَبَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَأَفْضَلُهُ سُؤَالُ الرِّضْوَانِ وَالْجَنَّةِ وَالِاسْتِعَاذَةِ مِنَ النَّارِ ، وَإِذَا رَأَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ قَالَ : لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ .
وَلَا تَزَالُ التَّلْبِيَةُ مُسْتَحَبَّةٌ لِلْحَاجِّ حَتَّى يَشْرَعَ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ، أَوْ يَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ إِنْ قَدَّمَهُ عَلَيْهَا ، أَوَ الْحَلْقُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ : الْحَلْقُ نُسُكٌ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَتُسْتَحَبُّ لِلْعُمْرَةِ حَتَّى يَشْرَعَ فِي الطَّوَافِ ، وَتُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ لِلْمُحْرِمِ مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْمُحْدِثُ وَالْجُنُبُ وَالْحَائِضُ ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - : اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي .