حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

باب أَمْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالْإِحْرَامِ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ

1186 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ : بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ يَعْنِي ذَا الْحُلَيْفَةِ . 24 - وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إِذَا قِيلَ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْبَيْدَاءِ قَالَ : الْبَيْدَاءُ الَّتِي تَكْذِبُونَ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مِنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ . ( بَابُ أَمْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالْإِحْرَامِ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ ) قَوْلُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : ( قَالَ بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا ، مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ ، يَعْنِي ذَا الْحُلَيْفَةِ ) ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مِنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : هَذِهِ الْبَيْدَاءُ هِيَ الشَّرَفُ الَّذِي قُدَّامَ ذِي الْحُلَيْفَةِ إِلَى جِهَةِ مَكَّةَ ، وَهِيَ بِقُرْبِ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، وَسُمِّيَتْ بَيْدَاءَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا بِنَاءٌ وَلَا أَثَرٌ ، وَكُلُّ مَفَازَةٍ تُسَمَّى بَيْدَاءَ ، وَأَمَّا هُنَا فَالْمُرَادُ بِالْبَيْدَاءِ مَا ذَكَرْنَاهُ .

وَقَوْلُهُ : ( تَكْذِبُونَ فِيهَا ) أَيْ تَقُولُونَ : إِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ مِنْهَا ، وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْهَا ، وَإِنَّمَا أَحْرَمَ قَبْلَهَا مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، وَمِنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ الَّتِي كَانَتْ هُنَاكَ ، وَكَانَتْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ . وَسَمَّاهُمُ ابْنُ عُمَرَ كَاذِبِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِالشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ هَذَا الشَّرْحِ فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْكَذِبَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ هُوَ الْإِخْبَارُ عَنِ الشَّيْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ ، سَوَاءٌ تَعَمَّدَهُ أَمْ غَلِطَ فِيهِ أَوْ سَهَا ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ : يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَمْدِيَّةُ ، وَعِنْدَنَا أَنَّ الْعَمْدِيَّةَ شَرْطٌ لِكَوْنِهِ إِثْمًا لَا لِكَوْنِهِ يُسَمَّى كَذِبًا ، فَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ جَارٍ عَلَى قَاعِدَتِنَا ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِإِطْلَاقِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مِيقَاتَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ إِلَى الْبَيْدَاءِ ، وَبِهَذَا قَالَ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ ، وَفِيهِ أَنَّ الْإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ الْإِحْرَامَ مِنْ مَسْجِدِهِ مَعَ كَمَالِ شَرَفِهِ ، فَإِنْ قِيلَ : إِنَّمَا أَحْرَمَ مِنَ الْمِيقَاتِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، قُلْنَا : هَذَا غَلَطٌ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْبَيَانَ قَدْ حَصَلَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي بَيَانِ الْمَوَاقِيتِ . وَالثَّانِي : أَنَّ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ فِي شَيْءٍ يَتَكَرَّرُ فِعْلُهُ كَثِيرًا ، فَيَفْعَلُهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ عَلَى الْوَجْهِ الْجَائِزِ ، لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، وَيُوَاظِبُ غَالِبًا عَلَى فِعْلِهِ عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهِ ، وَذَلِكَ كَالْوُضُوءِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا كُلُّهُ ثَابِتٌ ، وَالْكَثِيرُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَأَمَّا الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ فَلَمْ يَتَكَرَّرْ ، وَإِنَّمَا جَرَى مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّةً وَاحِدَةً ، فَلَا يَفْعَلُهُ إِلَّا عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهِ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ صَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْإِحْرَامِ ، وَيُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ ، وَيَكُونَانِ نَافِلَةً ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : أَنَّهُ اسْتَحَبَّ كَوْنَهُمَا بَعْدَ صَلَاةِ فَرْضٍ ، قَالَ : لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ كَانَتَا صَلَاةَ الصُّبْحِ ، وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ : وَهَذِهِ الصَّلَاةُ سُنَّةٌ لَوْ تَرَكَهَا فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَا دَمَ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : فَإِنْ كَانَ إِحْرَامُهُ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ فِيهَا عَنِ الصَّلَاةِ لَمْ يُصَلِّهِمَا ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَفِيهِ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُصَلِّيهِمَا فِيهِ ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَمَا إِرَادَةُ الْإِحْرَامِ ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ . وَأَمَّا وَقْتُ الْإِحْرَامِ فَسَنَذْكُرُهُ فِي الْبَابِ بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث