باب مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ
قَالَ شُعْبَةُ : ثُمَّ حَدَّثَنِي بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ خَارِجٌ رَأْسُهُ وَوَجْهُهُ ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّدًا . 102 - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - : وَقَصَتْ رَجُلًا رَاحِلَتُهُ وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَأَنْ يَكْشِفُوا وَجْهَهُ - حَسِبْتُهُ قَالَ : - وَرَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ يُهِلُّ . 103 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اغْسِلُوهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُلَبِّي .
( 14 - بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ ) فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : ( أَنَّ رَجُلًا خَرَّ مِنْ بَعِيرِهِ وَهُوَ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَفَةَ فَوُقِصَ فَمَاتَ فَقَالَ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا ) . وَفِي رِوَايَةٍ : ( وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَأَوْقَصَتْهُ ) أَوْ قَالَ : ( فَأَقْعَصَتْهُ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( فَوَقَصَتْهُ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( لَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَا رَأْسَهُ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ملبيا ) . فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَمُوَافِقِيهِمْ فِي أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا مَاتَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْبَسَ الْمَخِيطَ ، وَلَا تُخَمَّر رَأْسُهُ ، وَلَا يَمَسَّ طِيبًا ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ : يُفْعَلُ بِهِ مَا يُفْعَلُ بِالْحَيِّ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَادٌّ لِقَوْلِهِمْ .
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ) دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ السِّدْرِ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ ، وَأَنَّ الْمُحْرِمَ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ ، وَهَذَا مَذْهَبُنَا ، وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَآخَرُونَ ، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَا رَأْسَهُ ) أَمَّا تَخْمِيرُ الرَّأْسِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ الْحَيِّ فَجُمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَأَمَّا وَجْهُهُ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ كَرَأْسِهِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ : لَا إِحْرَامَ فِي وَجْهِهِ ، بَلْ لَهُ تَغْطِيَتُهُ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ كَشْفُ الْوَجْهِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ ، هَذَا حُكْمُ الْمُحْرِمِ الْحَيِّ ، وَأَمَّا الْمَيِّتُ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ : أَنَّهُ يَحْرُمُ تَغْطِيَةُ رَأْسِهِ كَمَا سَبَقَ ، وَلَا يَحْرُمُ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ ، بَلْ يَبْقَى كَمَا كَانَ فِي الْحَيَاةِ ، وَيُتَأَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَغْطِيَةِ وَجْهِهِ لَيْسَ لِكَوْنِهِ وَجْهًا إِنَّمَا هُوَ صِيَانَةٌ لِلرَّأْسِ ، فَإِنَّهُمْ لَوْ غَطَّوْا وَجْهَهُ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يُغَطُّوا رَأْسَهُ ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ ؛ لِأَنَّ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ وَمُوَافِقِيهِمَا يَقُولُونَ : لَا يُمْنَعُ مِنْ سَتْرِ رَأْسِ الْمَيِّتِ وَوَجْهِهِ ، وَالشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ يَقُولُونَ : يُبَاحُ سَتْرُ الْوَجْهِ فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ ) وَفِي رِوَايَةٍ ( ثَوْبَيْنِ ) قَالَ الْقَاضِي : أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ ( ثَوْبَيْهِ ) .
وَفِيهِ فَوَائِدُ مِنْهَا : الدَّلَالَةُ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي أَنَّ حُكْمَ الْإِحْرَامِ بَاقٍ فِيهِ . وَمِنْهَا : أَنَّ التَّكْفِينَ فِي الثِّيَابِ الْمَلْبُوسَةِ جَائِزٌ ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ . وَمِنْهَا : جَوَازُ التَّكْفِينِ فِي ثَوْبَيْنِ ، وَالْأَفْضَلُ ثَلَاثَةٌ ، وَمِنْهَا : أَنَّ الْكَفَنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْأَلْ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ أَمْ لَا ؟ وَمِنْهَا : أَنَّ التَّكْفِينَ وَاجِبٌ ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ ، وَكَذَلِكَ غُسْلَهُ وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَدَفْنَهُ .
وَقَوْلُهُ : ( خَرَّ مِنْ بَعِيرِهِ ) أَيْ سَقَطَ . وَقَوْلُهُ : ( وُقِصَ ) أَيِ انْكَسَرَ عُنُقُهُ ، وَوَقَصَتْهُ وَأَوْقَصَتْهُ بِمَعْنَاهُ . قَوْلُهُ : ( فَأَقْعَصَتْهُ ) أَيْ قَتَلَتْهُ فِي الْحَالِ ، وَمِنْهُ : قُعَاصُ الْغَنَمِ ، وَهُوَ مَوْتُهَا بِدَاءٍ يَأْخُذُهَا تَمُوتُ فَجْأَةً .
قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا وَمُلَبِّدًا وَيُلَبِّي ) مَعْنَاهُ : عَلَى هَيْئَتِهِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا وَمَعَهُ عَلَامَةٌ لِحَجِّهِ ، وَهِيَ دَلَالَةُ الْفَضِيلَةِ كَمَا يَجِيءُ الشَّهِيدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُ تَشْخَبُ دَمًا . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ دَوَامِ التَّلْبِيَةِ فِي الْإِحْرَامِ ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِ التَّلْبِيدِ ، وَسَبَقَ بَيَانُ هَذَا . قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَلَا تُحَنِّطُوهُ ) هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، أَيْ لَا تَمَسُّوهُ حَنُوطًا ، وَالْحَنُوطُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَيُقَالُ لَهُ : الْحِنَاطُ بِكَسْرِ الْحَاءِ ، وَهُوَ أَخْلَاطٌ مِنْ طِيبٍ تُجْمَعُ لِلْمَيِّتِ خَاصَّةً ، لَا تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ .
قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ : ( أَقْبَلَ رَجُلٌ حَرَامًا ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ ، وَفِي بَعْضِهَا : ( حَرَامٌ ) وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ ، وَلِلْأَوَّلِ وَجْهٌ ، وَيَكُونُ حَالًا ، وَقَدْ جَاءَتِ الْحَالُ مِنَ النَّكِرَةِ عَلَى قِلَّةٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ) أَبُو بِشْرٍ هَذَا هُوَ الْغُبَرِيُّ ، وَاسْمُهُ : الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الْبَصْرِيُّ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ ، رَوَى عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصَّحَابِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَانْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي بِشْرٍ هَذَا ، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَوْثِيقِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) قَالَ الْقَاضِي : هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ وَقَالَ : إِنَّمَا سَمِعَهُ مَنْصُورٌ مِنَ الْحَكَمِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ سَعِيدٍ وَهُوَ الصَّوَابُ وَقِيلَ : عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَلَمَةَ ، وَلَا يَصِحُّ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .