باب جواز تقصير المعتمر من شعره وأنه لا يجب حلقه وأنه يستحب كون حلقه أو تقصيره عند المروة
فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الِاقْتِصَارِ عَلَى التَّقْصِيرِ وَإِنْ كَانَ الْحَلْقَ أَفْضَلُ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ ، إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَمَتِّعِ أَنْ يُقَصِّرَ فِي الْعُمْرَةِ وَيَحْلِقَ فِي الْحَجِّ لِيَقَعَ الْحَلْقُ فِي أَكْمَلِ الْعِبَادَتَيْنِ ، وَقَدْ سَبَقَتِ الْأَحَادِيثُ فِي هَذَا . وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ تَقْصِيرُ الْمُعْتَمِرِ أَوْ حَلْقُهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ ؛ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ تَحَلُّلِهِ ، كَمَا يُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ أَنْ يَكُونَ حَلْقُهُ أَوْ تَقْصِيرُهُ فِي مِنًى لِأَنَّهَا مَوْضِعُ تَحَلُّلِهِ ، وَحَيْثُ حَلَقَا أَوْ قَصَّرَا مِنَ الْحَرَمِ كُلِّهِ جَازَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَصَّرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَانَ قَارِنًا كَمَا سَبَقَ إِيضَاحُهُ ، وَثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَقَ بِمِنًى وَفَرَّقَ أَبُو طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شَعْرَهُ بَيْنَ النَّاسِ ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُ تَقْصِيرِ مُعَاوِيَةَ عَلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ أَيْضًا عَلَى عُمْرَةِ الْقَضَاءِ الْوَاقِعَةِ سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ ؛ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مُسْلِمًا إِنَّمَا أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ .
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ ، وَلَا يَصِحُّ قَوْلُ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَزَعَمَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُتَمَتِّعًا ؛ لِأَنَّ هَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ ، فَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ السَّابِقَةُ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ لَهُ : مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي ، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ الْهَدْيَ . وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( بِمِشْقَصٍ ) هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْقَافِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ : هُوَ نَصْلُ السَّهْمِ إِذَا كَانَ طَوِيلًا لَيْسَ بِعَرِيضٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ : هُوَ كُلُّ نَصْلٍ فِيهِ عترة ، وَهُوَ النَّاتِئُ وَسَطَ الْحَرْبَةِ .
وَقَالَ الْخَلِيلُ : هُوَ سَهْمٌ فِيهِ نَصْلٌ عَرِيضٌ يُرْمَى بِهِ الْوَحْشُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .