حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

باب نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَبَيَانِ أَنَّهُ أُبِيحَ ثُمَّ نُسِخَ ثُمَّ أُبِيحَ ثُمَّ نُسِخَ وَاسْتَقَرَّ تَحْرِيمُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

[11] 1404 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبِي وَوَكِيعٌ وَابْنُ بِشْرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ : كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ ، فَقُلْنَا : أَلَا نَسْتَخْصِي ؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ ، وَقَالَ : ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا هَذِهِ الْآيَةَ ، وَلَمْ يَقُلْ : قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ . [12] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ : كُنَّا وَنَحْنُ شَبَابٌ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَسْتَخْصِي ؟ وَلَمْ يَقُلْ : نَغْزُو . ( 3 ) بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ ، وَبَيَانِ أَنَّهُ أُبِيحَ ثُمَّ نُسِخَ ، ثُمَّ أُبِيحَ ثُمَّ نُسِخَ " وَاسْتَقَرَّ تَحْرِيمُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " اعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِي عِيَاضًا بَسَطَ شَرْحَ هَذَا الْبَابِ بَسْطًا بَلِيغًا ، وَأَتَى فِيهِ بِأَشْيَاءَ نَفِيسَةٍ ، وَأَشْيَاءَ يُخَالَفُ فِيهَا ، فَالْوَجْهُ أَنْ نَنْقُلَ مَا ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا ، ثُمَّ نَذْكُرَ مَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ وَيُخَالَفُ فِيهِ ، وَنُنَبِّهَ عَلَى الْمُخْتَارِ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : ثَبَتَ أَنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ كَانَ جَائِزًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ ثَبَتَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا أَنَّهُ نُسِخَ ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إِلَّا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْتَبْدِعَةِ ، وَتَعَلَّقُوا بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ فَلَا دَلَالَةَ لَهُمْ فِيهَا ، وَتَعَلَّقُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ ) وَقِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذِهِ شَاذَّةٌ لَا يُحْتَجُّ بِهَا قُرْآنًا وَلَا خَبَرًا ، وَلَا يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهَا ، قَالَ : وَقَالَ زُفَرُ : مَنْ نَكَحَ نِكَاحَ مُتْعَةٍ تَأَبَّدَ نِكَاحُهُ ، وَكَأَنَّهُ جَعَلَ ذِكْرَ التَّأْجِيلِ مِنْ بَابِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي النِّكَاحِ فَإِنَّهَا تُلْغَى ، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : ج٩ / ص٥٢٨وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُتْعَةِ ، فَفِيهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَفِيهِ : أَنَّهُ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَذَا مَنْ أَجَازَ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ ، وَزَعَمَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ تَعَارَضَتْ ، وَأَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ قَادِحٌ فِيهَا ، قُلْنَا : هَذَا الزَّعْمُ خَطَأٌ ، وَلَيْسَ هَذَا تَنَاقُضًا ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَنْهَى عَنْهُ فِي زَمَنٍ ، ثُمَّ يَنْهَى عَنْهُ فِي زَمَنٍ آخَرَ تَوْكِيدًا ، أَوْ لِيَشْتَهِرَ النَّهْيُ وَيَسْمَعَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ أَوَّلًا ، فَسَمِعَ بَعْضُ الرُّوَاةِ النَّهْيَ فِي زَمَنٍ ، وَسَمِعَهُ آخَرُونَ فِي زَمَنٍ آخَرَ ، فَنَقَلَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَا سَمِعَهُ وَأَضَافَهُ إِلَى زَمَانِ سَمَاعِهِ .

هَذَا كَلَامُ الْمَازِرِيِّ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : رَوَى حَدِيثَ إِبَاحَةِ الْمُتْعَةِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَذَكَرَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَسَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْحَضَرِ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ فِي أَسْفَارِهِمْ فِي الْغَزْوِ عِنْدَ ضَرُورَتِهِمْ وَعَدَمِ النِّسَاءِ ، مَعَ أَنَّ بِلَادَهُمْ حَارَّةٌ وَصَبْرَهُمْ عَنْهُنَّ قَلِيلٌ ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ أَنَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِمَنِ اضْطُرَّ إِلَيْهَا كَالْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا نَحْوُهُ ، وَذَكَرَ مُسْلِمٌ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ إِبَاحَتَهَا يَوْمَ أَوْطَاسَ ، وَمِنْ رِوَايَةِ سَبْرَةَ إِبَاحَتُهَا يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَهُمَا وَاحِدٌ ، ثَمَّ حُرِّمَتْ يَوْمَئِذٍ ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ تَحْرِيمُهَا يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَهُوَ قَبْلَ الْفَتْحِ ، وَذَكَرَ غَيْرُ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَى هَذَا ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَالْعُمَرِيُّ ، وَيُونُسُ ، وَغَيْرُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَفِيهِ ( يَوْمَ خَيْبَرَ ) وَكَذَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَمَاعَةٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ،

وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ
، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَبْرَةَ أَيْضًا إِبَاحَتُهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا حِينَئِذٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : أَنَّهَا مَا حَلَّتْ قَطُّ إِلَّا فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ أَيْضًا ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَاتِ حَدِيثِ سَبْرَةَ تَعْيِينَ وَقْتٍ إِلَّا فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ ، وَرِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، وَرِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ، قَالُوا : وَذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِإِبَاحَتِهَا يَوْمَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ خَطَأٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ ضَرُورَةٌ وَلَا عُزُوبَةٌ ، وَأَكْثَرُهُمْ حَجُّوا بِنِسَائِهِمْ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الَّذِي جَرَى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مُجَرَّدُ النَّهْيِ ، كَمَا جَاءَ فِي غَيْرِ رِوَايَةٍ ، وَيَكُونُ تَجْدِيدُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْيَ عَنْهَا يَوْمَئِذٍ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ، وَلِتَمَامِ الدِّينِ ، وَتَقَرُّرِ الشَّرِيعَةِ ، كَمَا قَرَّرَ غَيْرَ شَيْءٍ وَبَيَّنَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ يَوْمَئِذٍ ، وَبَتَّ تَحْرِيمَ الْمُتْعَةِ حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ : ( إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) قَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِلُ مَا جَاءَ مِنْ تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَفِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ ، وَيَوْمَ الْفَتْحِ ، وَيَوْمَ أَوْطَاسَ أَنَّهُ جَدَّدَ النَّهْيَ عَنْهَا فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ ؛
لِأَنَّ حَدِيثَ تَحْرِيمِهَا يَوْمَ خَيْبَرَ صَحِيحٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ ، بَلْ هُوَ ثَابِتٌ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ
، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هَذَا الْكَلَامُ فِيهِ انْفِصَالٌ ، وَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ حَرَّمَ الْمُتْعَةَ وَلَمْ يُبَيِّنْ زَمَنَ تَحْرِيمَهَا ، ثُمَّ قَالَ : وَلُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، فَيَكُونُ يَوْمُ خَيْبَرَ لِتَحْرِيمِ الْحُمُرِ خَاصَّةً ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَقْتَ تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ . قَالَ هَذَا الْقَائِلُ : ج٩ / ص٥٢٩وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَهُ أَنَّ تَحْرِيمَ الْمُتْعَةِ كَانَ بِمَكَّةَ ، وَأَمَّا لُحُومُ الْحُمُرِ فَبِخَيْبَرَ بِلَا شَكٍّ ، قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا أَحْسَنُ لَوْ سَاعَدَهُ سَائِرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ غَيْرِ سُفْيَانَ ، قَالَ : وَالْأَوْلَى مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ قَرَّرَ التَّحْرِيمَ ، لَكِنْ يَبْقَى بَعْدَ هَذَا مَا جَاءَ مِنْ ذِكْرِ إِبَاحَتِهِ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَيَوْمِ الْفَتْحِ وَيَوْمِ أَوْطَاسَ ، فَتَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاحَهَا لَهُمْ لِلضَّرُورَةِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ ، ثُمَّ حَرَّمَهَا تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا ، فَيَكُونُ حَرَّمَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ وَفِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ ، ثُمَّ أَبَاحَهَا يَوْمَ الْفَتْحِ لِلضَّرُورَةِ ، ثُمَّ حَرَّمَهَا يَوْمَ الْفَتْحِ أَيْضًا تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا ، وَتَسْقُطُ رِوَايَةُ إِبَاحَتِهَا يَوْمَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ؛ لِأَنَّهَا مَرْوِيَّةٌ عَنْ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ ، وَإِنَّمَا رَوَى الثِّقَاتُ الْأَثْبَاتُ عَنْهُ الْإِبَاحَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ، وَالَّذِي فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ إِنَّمَا هُوَ التَّحْرِيمُ ، فَيُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِهِ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الرُّوَاةِ ، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ النَّهْيِ عَنْهَا يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَيَكُونُ تَحْرِيمُهَا يَوْمَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ تَأْكِيدًا وَإِشَاعَةً لَهُ كَمَا سَبَقَ ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ : إِنَّمَا كَانَتْ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ لَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا فَتَرُدُّهُ الْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ فِي تَحْرِيمِهَا يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَهِيَ قَبْلَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ . وَمَا جَاءَ مِنْ مَعَ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِهَذَا إِنَّمَا جَاءَتْ عَنْ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ ، وَهُوَ رَاوِي الرِّوَايَاتِ الْأُخَرِ وَهِيَ أَصَحُّ ، فَيُتْرَكُ مَا خَالَفَ الصَّحِيحَ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : هَذَا مِمَّا تَدَاوَلَهُ التَّحْرِيمُ وَالْإِبَاحَةُ وَالنَّسْخُ مَرَّتَيْنِ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي ، وَالصَّوَابُ الْمُخْتَارُ أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالْإِبَاحَةَ كَانَا مَرَّتَيْنِ ، وَكَانَتْ حَلَالًا قَبْلَ خَيْبَرَ ، ثُمَّ حُرِّمَتْ يَوْمَ خَيْبَرَ ، ثُمَّ أُبِيحَتْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ يَوْمُ أَوْطَاسَ ، لِاتِّصَالِهِمَا ، ثُمَّ حُرِّمَتْ يَوْمَئِذٍ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَاسْتَمَرَّ التَّحْرِيمُ . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ الْإِبَاحَةَ مُخْتَصَّةُ بِمَا قَبْلَ خَيْبَرَ ، وَالتَّحْرِيمُ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلتَّأْبِيدِ ، وَأَنَّ الَّذِي كَانَ يَوْمَ الْفَتْحِ مُجَرَّدَ تَوْكِيدِ التَّحْرِيمِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ إِبَاحَةٍ يَوْمَ الْفَتْحِ كَمَا اخْتَارَهُ الْمَازِرِيُّ وَالْقَاضِي ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ فِي الْإِبَاحَةِ يَوْمَ الْفَتْحِ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ ، فَلَا يَجُوزُ إِسْقَاطُهَا ، وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُ تَكْرِيرَ الْإِبَاحَةِ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْقَاضِي : وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُتْعَةَ كَانَتْ نِكَاحًا إِلَى أَجَلٍ لَا مِيرَاثَ فِيهَا ، وَفِرَاقُهَا يَحْصُلُ بِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ ، وَوَقَعَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى تَحْرِيمِهَا مِنْ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا الرَّوَافِضَ ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ بِإِبَاحَتِهَا ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ . قَالَ : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَتَى وَقَعَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ الْآنَ حُكِمَ بِبُطْلَانِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ إِلَّا مَا سَبَقَ عَنْ زُفَرَ .

وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ : هَلْ يُحَدُّ الْوَاطِئُ فِيهِ ؟ وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يُحَدُّ ؛ لِشُبْهَةِ الْعَقْدِ وَشُبْهَةِ الْخِلَافِ ، وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ اخْتِلَافُ الْأُصُولِيِّينَ فِي أَنَّ الْإِجْمَاعَ بَعْدَ الْخِلَافِ هَلْ يَرْفَعُ الْخِلَافَ وَيُصَيِّرُ الْمَسْأَلَةَ مُجْمَعًا عَلَيْهَا ؟ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَرْفَعُهُ ، بَلْ يَدُومُ الْخِلَافُ ، وَلَا يُصَيِّرُ الْمَسْأَلَةَ بَعْدَ ذَلِكَ مُجْمَعًا عَلَيْهَا أَبَدًا ، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ ، قَالَ الْقَاضِي : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ نَكَحَ نِكَاحًا مُطْلَقًا وَنِيَّتُهُ أَنْ لَا يَمْكُثَ مَعَهَا إِلَّا مُدَّةً نَوَاهَا ، فَنِكَاحُهُ صَحِيحٌ حَلَالٌ ، وَلَيْسَ نِكَاحُ مُتْعَةٍ ، وَإِنَّمَا نِكَاحُ الْمُتْعَةِ مَا وَقَعَ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ ، وَلَكِنْ قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ هَذَا مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ ، وَشَذَّ الْأَوْزَاعِيُّ فَقَالَ : هُوَ نِكَاحُ مُتْعَةٍ ، وَلَا خَيْرَ فِيهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ج٩ / ص٥٣٠قَوْلُهُ : ( فَقُلْنَا : أَلَا نَسْتَخْصِي ؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ) فِيهِ مُوَافَقَةٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْبَابِ السَّابِقِ مِنْ تَحْرِيمِ الْخَصْيِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ النَّسْلِ ، وَتَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ ) أَيِ الثَّوْبِ وَغَيْرِهِ مِمَّا نَتَرَاضَى بِهِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ ، إِبَاحَتَهَا كَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ نَسْخُهَا .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ3 أحاديث
موقع حَـدِيث