حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

بَاب مَنْ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَى

[ 16 ] - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي قَالَ : حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : أَتَى رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي زَنَيْتُ . فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَقَالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي زَنَيْتُ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ . حَتَّى ثَنَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ ، دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَبِكَ جُنُونٌ ؟ قَالَ : لَا قَالَ : فَهَلْ أَحْصَنْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ .

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ ، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى . فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ ، فَرَجَمْنَاهُ . رَوَاهُ اللَّيْثُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ .

حَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَيْضًا . وَفِي حَدِيثِهِمَا جَمِيعًا : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا ذَكَرَ عُقَيْلٌ . ، حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ح .

وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ فِي الرَّجُلِ الَّذِي اعْتَرَفَ بِالزِّنَا ( فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَاءَهُ مِنْ جَوَانِبِهِ حَتَّى أَقَرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ بِهِ جُنُونٌ ؟ فَقَالَ : لَا . هَلْ أُحْصِنْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ فَقَالَ : اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ ) .

احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ وَأَحْمَدُ وَمُوَافِقُوهُمَا فِي أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالزِّنَا لَا يَثْبُتُ ويُرْجَمُ بِهِ الْمُقِرُّ حَتَّى يُقِرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ : يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ بِهِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَيُرْجَمُ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا ) وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَدَدًا ، وَحَدِيثُ الْغَامِدِيَّةِ لَيْسَ فِيهِ إِقْرَارُهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، وَاشْتَرَطَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِقْرَارَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَرْبَعِ مَجَالِسَ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَبِكَ جُنُونٌ ؟ ) إِنما قَالَهُ لِيَتَحَقَّقَ حَالَهُ ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُصِرُّ عَلَى الْإِقْرَارِ بِمَا يَقْتَضِي قَتْلَهُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ ، مَعَ أَنَّ لَهُ طَرِيقًا إِلَى سُقُوطِ الْإِثْمِ بِالتَّوْبَةِ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( أَنَّهُ سَأَلَ قَوْمَهُ عَنْهُ فَقَالُوا : مَا نَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا ) وَهَذَا مُبَالَغَةٌ فِي تَحْقِقِ حَالِهِ ، وَفِي صِيَانَةِ دَمِ الْمُسْلِمِ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ إِقْرَارَ الْمَجْنُونِ بَاطِلٌ ، وَأَنَّ الْحُدُودَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَلْ أُحْصِنْتَ ؟ ) فِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ يَسْأَلُ عَنْ شُرُوطِ الرَّجْمِ مِنَ الْإِحْصَانِ وَغَيْرِهِ ، سَوَاءٌ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ أَمْ بِالْبَيِّنَةِ ، وَفِيهِ مُؤَاخَذَةُ الْإِنْسَانِ بِإِقْرَارِهِ .

قَوْلُهُ : ( حَتَّى ثَنَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ) هُوَ بِتَخْفِيفِ النُّونِ أَيْ كَرَّرَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ . وَفِيهِ التَّعْرِيضُ لِلْمُقِرِّ بِالزِّنَا بِأَنْ يَرْجِعَ ، وَيُقْبَلُ رُجُوعُهُ بِلَا خِلَافٍ . ج١١ / ص٣٤١قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ ) فِيهِ جَوَازُ اسْتِنَابَةِ الْإِمَامِ مَنْ يُقِيمُ الْحَدَّ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : لَا يَسْتَوْفِي الْحَدَّ إِلَّا الْإِمَامُ أَوْ مَنْ فَوَّضَ ذَلِكَ إِلَيْهِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي الرَّجْمُ ، وَلَا يُجْلَدُ مَعَهُ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْخِلَافِ فِي هَذَا .

قَوْلُهُ : ( فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى ) قَالَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُصَلَّى الْجَنَائِزِ وَالْأَعْيَادِ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ وُقِفَ مَسْجِدًا لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ ، إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ تُجُنِّبَ الرَّجْمُ فِيهِ وَتَلَطُّخُهُ بِالدِّمَاءِ وَالْمَيْتَةِ ، قَالُوا : وَالْمُرَادُ بِالْمُصَلَّى مُصَلَّى الْجَنَائِزِ ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ ) وَهُوَ مَوْضِعُ الْجَنَائِزِ بِالْمَدِينَةِ ، وَذَكَرَ الدَّارِمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُصَلَّى الَّذِي لِلْعِيدِ وَلِغَيْرِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَسْجِدًا هَلْ يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا : لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ ) هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْقَافِ أَيْ أَصَابَتْهُ بِحَدِّهَا .

قَوْلُهُ : ( فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُحْصَنِ إِذَا أَقَرَّ بِالزِّنَا فَشَرَعُوا فِي رَجْمِهِ ثُمَّ هَرَبَ ، هَلْ يُتْرَكُ أَمْ يُتْبَعُ لِيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا : يُتْرَكُ وَلَا يُتْبَعُ لِكَيْ أَنْ يُقَالَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَإِنْ رَجَعَ عَنِ الْإِقْرَارِ تُرِكَ ، وَإِنْ أَعَادَ رُجِمَ ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يُتْبَعُ وَيُرْجَمُ ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ بِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَلَا تَرَكْتُمُوهُ حَتَّى أَنْظُرَ فِي شَأْنِهِ " ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ فَلَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ ) وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُلْزِمْهُمْ ذَنْبَهُ مَعَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ بَعْدَ هَرَبِهِ ، وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالرُّجُوعِ ، وَقَدْ ثَبَتَ إِقْرَارُهُ فَلَا يَتْرُكُهُ حَتَّى يُصَرِّحَ بِالرُّجُوعِ ، قَالُوا : وَإِنَّمَا قُلْنَا : لَا يُتْبَعُ فِي هَرَبِهِ لَعَلَّهُ يُرِيدُ الرُّجُوعَ ، وَلَمْ نَقُلْ إِنَّهُ سَقَطَ الرَّجْمُ بِمُجَرَّدِ الْهَرَبِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ3 أحاديث
موقع حَـدِيث