بَاب مَنْ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَى
[ 17 ] 1692 - وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : رَأَيْتُ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ جِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ قَصِيرٌ أَعْضَلُ لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ ، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَنَّهُ زَنَى ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَعَلَّكَ ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ ، إِنَّهُ قَدْ زَنَى الْأَخِرُ . قَالَ : فَرَجَمَهُ ، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ : أَلَا كُلَّمَا نَفَرْنَا غَازِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَلَفَ أَحَدُهُمْ لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ يَمْنَحُ أَحَدُهُمْ الْكُثْبَةَ ، أَمَا وَاللَّهِ إِنْ يُمْكِنِّي مِنْ أَحَدِهِمْ لَأُنَكِّلَنَّهُ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( رَجُلٌ قَصِيرٌ أَعْضَلُ ) هُوَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، أَيْ مُشْتَدُّ الْخَلْقِ .
ج١١ / ص٣٤٢قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَلَعَلَّكَ " قَالَ : لَا . وَاللَّهِ إِنَّهُ قَدْ زَنَى الْأَخِرُ . مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ الْإِشَارَةُ إِلَى تَلْقِينِهِ الرُّجُوعَ عَنِ الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا ، وَاعْتِذَارِهِ بِشُبْهَةٍ يَتَعَلَّقُ بِهَا ، كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ ) فَاقْتَصَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى ( لَعَلَّكَ ) اخْتِصَارًا أوَتَنْبِيهًا وَاكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ وَالْحَالِ عَلَى الْمَحْذُوفِ ، أَيْ لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ .
فَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَلْقِينِ الْمُقِرِّ بِحَدِّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَنَّهُ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْحُدُودَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَالدَّرْءِ بِخِلَافِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَالِيَّةِ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ وَغَيْرِهِمَا لَا يَجُوزُ التَّلْقِينُ فِيهَا ، وَلَوْ رَجَعَ لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ ، وَقَدْ جَاءَ تَلْقِينُ الرُّجُوعِ عَنِ الْإِقْرَارِ بِالْحُدُودِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّهُ قَدْ زَنَى الْأَخِرُ ) وَهُوَ بِهَمْزَةٍ مَقْصُورَةٍ وَخَاءٍ مَكْسُورَةٍ ، وَمَعْنَاهُ : الْأَرْذَلُ وَالْأَبْعَدُ وَالْأَدْنَى ، وَقِيلَ : اللَّئِيمُ ، وَقِيلَ : الشَّقِيُّ ، وَكُلُّهُ مُتَقَارِبٌ وَمُرَادُهُ نَفْسُهُ فَحَقَّرَهَا وَعَابَهَا ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ فَعَلَ هَذِهِ الْفَاحِشَةَ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا كِنَايَةٌ يُكَنِّي بِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ إِذَا أَخْبَرَ عَنْهُ بِمَا يُسْتَقْبَحُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا كُلَّمَا نَفَرْنَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَلَفَ أَحَدُهُمْ لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ يَمْنَحُ أَحَدُهُمُ الْكُثْبَةَ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ( إِحْدَاهُنَّ ) بَدَلَ " أَحَدُهُمْ " وَنَبِيبُ التَّيْسِ : صَوْتُهُ عِنْدَ السِّفَادِ ، وَيَمْنَحُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالنُّونِ أَيْ يُعْطِي ، وَالْكُثْبَةُ : بِضَمِّ الْكَافِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ ، الْقَلِيلُ مِنَ اللَّبَنِ وَغَيْرِهِ .