حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

بَاب حَدِّ الْخَمْرِ

[ 38 ] 1707 - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - ، عَنْ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّانَاجِ ح . وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَيْرُوزَ مَوْلَى ابْنِ عَامِرٍ الدَّانَاجِ ، حَدَّثَنَا حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَبُو سَاسَانَ قَالَ : شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَأُتِيَ بِالْوَلِيدِ قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ : أَزِيدُكُمْ ؟ فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ - أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ - أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ . فَقَالَ عُثْمَانُ : إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا ، فَقَالَ : يَا عَلِيُّ ، قُمْ فَاجْلِدْهُ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : قُمْ يَا حَسَنُ ، فَاجْلِدْهُ فَقَالَ الْحَسَنُ : وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا ، فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ، قُمْ فَاجْلِدْهُ ، فَجَلَدَهُ وَعَلِيٌّ يَعُدُّ حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ ، فَقَالَ : أَمْسِكْ ، ثُمَّ قَالَ : جَلَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ .

زَادَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ فِي رِوَايَتِهِ : قَالَ إِسْمَاعِيلُ : وَقَدْ سَمِعْتُ حَدِيثَ الدَّانَاجِ مِنْهُ ، فَلَمْ أَحْفَظْهُ . قَوْلُهُ : ( وَكُلٌّ سُنَّةٌ ) مَعْنَاهُ أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ سُنَّةٌ يُعْمَلُ بِهَا ، وَكَذَا فِعْلُ عُمَرَ ، وَلَكِنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ أَحَبُّ إِلَيَّ . وَقَوْلُهُ : ( وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ ) إِشَارَةً إِلَى الْأَرْبَعِينَ الَّتِي كَانَ جَلَدَهَا ، وَقَالَ لِلْجَلَّادِ : أَمْسِكْ ، وَمَعْنَاهُ هَذَا الَّذِي قَدْ جَلَدْتَهُ ، وَهُوَ الْأَرْبَعُونَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الثَّمَانِينَ .

وَفِيهِ أَنَّ فِعْلَ الصَّحَابِيِّ سُنَّةٌ يُعْمَلُ بِهَا ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الْخَمْرُ فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ شُرْبِ الْخَمْرِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى شَارِبِهَا ، سَوَاءٌ شَرِبَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِشُرْبِهَا ، وَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ ، هَكَذَا حَكَى الْإِجْمَاعَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ وَخَلَائِقُ ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ طَائِفَةٍ شَاذَّةٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : يُقْتَلُ بَعْدَ جَلْدِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ ، وَهَذَا الْقَوْلُ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ ، عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ وَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ ، قَالَ جَمَاعَةٌ : دَلَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى نَسْخِهِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَسَخَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ : النَّفْسُ بِالنَّفْسِ ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَدْرِ حَدِّ الْخَمْرِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَآخَرُونَ : حَدُّهُ أَرْبَعُونَ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ ثَمَانِينَ ، وَتَكُونُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ تَعْزِيرَاتٍ عَلَى تَسَبُّبِهِ فِي إِزَالَةِ عَقْلِهِ ، وَفِي تَعَرُّضِهِ لِلْقَذْفِ وَالْقَتْلِ ، وَأَنْوَاعِ الْإِيذَاءِ ، وَتَرْكِ الصَّلَاةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنِ الْجُمْهُورِ مِنَ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ ، مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُمْ قَالُوا : حَدُّهُ ثَمَانُونَ .

وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، وَأَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّحْدِيدِ ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى : نَحْوَ أَرْبَعِينَ ، وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا جَلَدَ أَرْبَعِينَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ، وَأَمَّا زِيَادَةُ عُمَرَ فَهي تَعْزِيرَاتٌ ، وَالتَّعْزِيرُ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ إِنْ شَاءَ فَعَلَهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ ، فَرَآهُ عُمَرُ فَفَعَلَهُ ، وَلَمْ يَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عَلِيٌّ فَتَرَكُوهُ ، وَهَكَذَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِنَّ الزِّيَادَةَ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ ، وَأَمَّا الْأَرْبَعُونَ فَهِيَ الْحَدُّ الْمُقَدَّرُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَلَوْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ حَدًّا لَمْ يَتْرُكْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَمْ يَتْرُكْهَا عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعْدَ فِعْلِ عُمَرَ ، وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ( وَكُلٌّ سُنَّةٌ ) مَعْنَاهُ : الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَعَدَمُ بُلُوغِ الثَّمَانِينَ ، فَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ج١١ / ص٣٥٩الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ ، وَلَا يُشْكِلُ شَيْءٌ مِنْهَا ، ثُمَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ حَدُّ الْحُرِّ ، فَأَمَّا الْعَبْدُ فَعَلَى النِّصْفِ مِنَ الْحُرِّ كَمَا فِي الزِّنَا وَالْقَذْفِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الشَّارِبَ يُحَدُّ ، سَوَاءٌ سَكِرَ أَمْ لَا .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ ، وَهُوَ مَا سِوَى عَصِيرِ الْعِنَبِ مِنَ الْأَنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ : هُوَ حَرَامٌ يُجْلَدُ فِيهِ كَجَلْدِ شَارِبِ الْخَمْرِ الَّذِي هُوَ عَصِيرُ الْعِنَبِ ، سَوَاءٌ كَانَ يَعْتَقِدُ إِبَاحَتَهُ أَوْ تَحْرِيمَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - : لَا يَحْرُمُ ، وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهُ ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : هُوَ حَرَامٌ يُجْلَدُ بِشُرْبِهِ مَنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ ، دُونَ مَنْ يَعْتَقِدُ إِبَاحَتَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( جَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ ) اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ ، فَأَصْحَابُنَا يَقُولُونَ : مَعْنَاهُ : أَنَّ الْجَرِيدَتَيْنِ كَانَتَا مُفْرَدَتَيْنِ جَلَدَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَدَدًا حَتَّى كَمُلَ مِنَ الْجَمْعِ أَرْبَعُونَ ، وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ يَقُولُ جَلْدُ الْخَمْرِ ثَمَانُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ جَمَعَهُمَا وَجَلَدَهُ بِهِمَا أَرْبَعِينَ جَلْدَةً فَيَكُونُ الْمَبْلَغُ ثَمَانِينَ ، وَتَأْوِيلُ أَصْحَابِنَا أَظْهَرُ ، لِأَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى مُبَيِّنَةٌ لِهَذِهِ ، وَأَيْضًا فَحَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُبَيِّنٌ لَهَا . قَوْلُهُ : ( ضَرَبَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ ) وَفِي رِوَايَةٍ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ ، أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى حُصُولِ حَدِّ الْخَمْرِ بِالْجَلْدِ وَالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ بِالسَّوْطِ ، وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا الْأَصَحُّ الْجَوَازُ ، وَشَذَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَشَرَطَ فِيهِ السَّوْطَ ، وَقَالَ : لَا يَجُوزُ بِالثِّيَابِ وَالنِّعَالِ ، وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ لِمُنَابَذَتِهِ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِذَا ضَرَبَهُ بِالسَّوْطِ يَكُونُ سَوْطًا مُعْتَدِلًا فِي الْحَجْمِ بَيْنَ الْقَضِيبِ وَالْعَصَا ، فَإِنْ ضَرَبَهُ بِجَرِيدَةٍ فَلْتَكُنْ خَفِيفَةً بَيْنَ الْيَابِسَةِ وَالرَّطْبَةِ ، وَيَضْرِبُهُ ضَرْبًا بَيْنَ ضَرْبَيْنِ فَلَا يَرْفَعُ يَدَهُ فَوْقَ رَأْسِهِ ، وَلَا يَكْتَفِي بِالْوَضْعِ ، بَلْ يَرْفَعُ ذِرَاعَهُ رَفْعًا مُعْتَدِلًا . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ وَدَنَا النَّاسُ مِنَ الرِّيفِ وَالْقُرَى ) الرِّيفُ : الْمَوَاضِعُ الَّتِي فِيهَا الْمِيَاهُ ، أَوْ هِيَ قَرِيبَةٌ مِنْهَا ، وَمَعْنَاهُ : لَمَّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَفُتِحَتِ الشَّامُ وَالْعِرَاقُ وَسَكَنَ النَّاسُ فِي الرِّيفِ وَمَوَاضِعِ الْخِصْبِ وَسَعَةِ الْعَيْشِ وَكَثْرَةِ الْأَعْنَابِ وَالثِّمَارِ أَكْثَرُوا مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ ، فَزَادَ عُمَرُ فِي حَدِّ الْخَمْرِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ وَزَجْرًا لَهُمْ عَنْهَا .

قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتَشَارَ النَّاسَ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : أَخَفَّ الْحُدُودِ ) هَكَذَا هُوَ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ هُوَ الَّذِي أَشَارَ بِهَذَا ، وَفِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، وَأَشَارَا جَمِيعًا ، وَلَعَلَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بَدَأَ بِهَذَا الْقَوْلِ فَوَافَقَهُ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ ، فَنُسِبَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِسَبْقِهِ بِهِ ، وَنَسَبَهُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِفَضِيلَتِهِ وَكَثْرَةِ عِلْمِهِ وَرُجْحَانِهِ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . ج١١ / ص٣٦٠قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّانَاجِ ) هُوَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَالْجِيمِ ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا : ( الدَّانَا ) بِحَذْفِ الْجِيمِ ، وَ ( الدَّانَاهُ ) بِالْهَاءِ ، وَمَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ : الْعَالِمُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ ) هُوَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ حُضَيْنٌ بِالْمُعْجَمَةِ غَيْرُهُ .

قَوْلُهُ : ( فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا : حُمْرَانُ ، أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ ، فَقَالَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا . ثُمَّ جَلَدَهُ ) هَذَا دَلِيلٌ لِمَالِكٍ وَمُوَافِقِيهِ فِي أَنَّ مَنْ تَقَيَّأَ الْخَمْرَ يُحَدُّ حَدَّ الشَّارِبِ ، وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يُحَدُّ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ ; لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ شَرِبَهَا جَاهِلًا كَوْنَهَا خَمْرًا أَوْ مُكْرَهًا عَلَيْهَا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِلْحُدُودِ ، وَدَلِيلُ مَالِكٍ هُنَا قَوِيٌّ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّفَقُوا عَلَى جَلْدِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ يُجِيبُ أَصْحَابُنَا عَنْ هَذَا بِأَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلِمَ شُرْبَ الْوَلِيدِ فَقَضَى بِعِلْمِهِ فِي الْحُدُودِ ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ عُثْمَانَ يَرُدُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( إِنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : يَا عَلِيُّ قُمْ فَاجْلِدْهُ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : قُمْ يَا حَسَنُ فَاجْلِدْهُ ، فَقَالَ حَسَنٌ : وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا ، فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ قُمْ فَاجْلِدْهُ ، فَجَلَدَهُ وَعَلِيٌّ يَعُدُّ حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ فَقَالَ : أَمْسِكْ ) مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ الْحَدُّ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ ، قَالَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ الْإِمَامُ لِعَلِيٍّ عَلَى سَبِيلِ التَّكْرِيمِ لَهُ وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ : قُمْ فَاجْلِدْهُ ، أَيْ أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ بِأَنْ تَأْمُرَ مَنْ تَرَى بِذَلِكَ . فَقَبِلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَلِكَ ، فَقَالَ لِلْحَسَنِ : قُمْ فَاجْلِدْهُ ، فَامْتَنَعَ الْحَسَنُ ، فَقَالَ لِابْنِ جَعْفَرٍ ، فَقَبِلَ فَجَلَدَهُ ، وَكَانَ عَلِيٌّ مَأْذُونًا لَهُ فِي التَّفْوِيضِ إِلَى مَنْ رَأَى كَمَا ذَكَرْنَاهُ . وَقَوْلُهُ : ( وَجَدَ عَلَيْهِ ) أَيْ غَضِبَ عَلَيْهِ .

وَقَوْلُهُ : ( وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا ) الْحَارُّ : الشَّدِيدُ الْمَكْرُوهُ ، وَالْقَارُّ : الْبَارِدُ الْهَنِيءُ الطَّيِّبُ ، وَهَذَا مَثَلٌ مِنْ أَمْثَالِ الْعَرَبِ ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ : مَعْنَاهُ وَلِّ شِدَّتَهَا وَأَوْسَاخَهَا مَنْ تَوَلَّى هَنِيئَهَا وَلَذَّاتِهَا . الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الْخِلَافَةِ وَالْوِلَايَةِ ، أَيْ كَمَا أَنَّ عُثْمَانَ وَأَقَارِبَهُ يَتَوَلَّوْنَ هَنِيءَ الْخِلَافَةِ وَيَخْتَصُّونَ بِهِ ، يَتَوَلَّوْنَ نَكِدَهَا وَقَاذُورَاتِهَا . وَمَعْنَاهُ : لِيَتَوَلَّ هَذَا الْجَلْدَ عُثْمَانُ بِنَفْسِهِ أَوْ بَعْضُ خَاصَّةِ أَقَارِبِهِ الْأَدْنَيْنَ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : أَمْسِكْ ، قَالَ : وَكُلٌّ سُنَّةٌ ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ مُعَظِّمًا لِآثَارِ عُمَرَ ، وَأَنَّ حُكْمَهُ وَقَوْلَهُ سُنَّةٌ ، وَأَمْرَهُ حَقٌّ ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خِلَافَ مَا يَكْذِبُهُ الشِّيعَةُ عَلَيْهِ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا فِي مُسْلِمٍ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ أَرْبَعِينَ ، وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ ثَمَانِينَ ، وَهِيَ قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ .

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْجَلْدُ فِي الْخَمْرِ ثَمَانينَ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : ( فِي قَلِيلِ الْخَمْرِ وَكَثِيرِهَا ثَمَانُونَ جَلْدَةً ) وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ جَلَدَ الْمَعْرُوفَ بِالنَّجَاشِيِّ ثَمَانِينَ ، قَالَ : وَالْمَشْهُورُ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَى عُمَرَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ ج١١ / ص٣٦١ثَمَانِينَ كَمَا سَبَقَ عَنْ رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ ، قَالَ : وَهَذَا كُلُّهُ يُرَجِّحُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى أَنَّهُ جَلَدَ الْوَلِيدَ ثَمَانِينَ ، قَالَ : وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الْأَرْبَعِينَ بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ جَلَدَهُ بِسَوْطٍ لَهُ رَأْسَانِ فَضَرَبَهُ بِرَأْسِهِ أَرْبَعِينَ ، فَتَكُونُ جُمْلَتُهَا ثَمَانِينَ ، قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : ( وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ ) عَائِدًا إِلَى الثَّمَانِينَ الَّتِي فَعَلَهَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَهَذَا كَلَامُ الْقَاضِي ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا يُخَالِفُ بَعْضَ مَا قَالَهُ ، وَذَكَرْنَا تَأْوِيلَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث