حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ

[ 55 ] 1760 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا ، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي ، فَهُوَ صَدَقَةٌ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ . [ 56 ] 1761 - وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي خَلَفٍ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ .

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَقْسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا ، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : هَذَا التَّقْيِيدُ بِالدِّينَارِ هُوَ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ عَلَى مَا سِوَاهُ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَقَالَ تَعَالَى : وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ قَالُوا : وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ النَّهْيَ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْهَى عَمَّا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ ، وَإِرْثُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ مُمْكِنٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ ، وَمَعْنَاهُ : لَا يَقْتَسِمُونَ شَيْئًا ؛ لِأَنِّي لَا أُورَثُ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ ، وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُهُمْ ، وحَكَى الْقَاضِي عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ وَبَعْضِ ج١٢ / ص٤٣١أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّمَا لَمْ يُورَثْ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّهُ أَنْ جَعَلَ مَالَهُ كُلَّهُ صَدَقَةً ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ الْحَدِيثِ . ثُمَّ إِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ لَا يُورَثُونَ ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : عَدَمُ الْإِرْثِ بَيْنَهُمْ مُخْتَصٌّ بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ زَكَرِيَّا : يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَزَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ وِرَاثَةُ الْمَالِ ، وَقَالَ : وَلَوْ أَرَادَ وِرَاثَةَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَقُلْ : وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي ؛ إِذْ يُخَافُ عَلَى النُّبُوَّةِ ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَالصَّوَابُ مَا حَكَيْنَاهُ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُورَثُونَ ، وَالْمُرَادُ بِقِصَّةِ زَكَرِيَّا وَدَاوُدَ وِرَاثَةُ النُّبُوَّةِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْإِرْثِ بَلْ قِيَامُهُ مَقَامَهُ ، وَحُلُولُهُ مَكَانَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمُؤْنَةُ عَامِلِي ) فَقِيلَ : هُوَ الْقَائِمُ عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ ، وَالنَّاظِرُ فِيهَا ، وَقِيلَ : كُلُّ عَامِلٍ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ خَلِيفَةٍ وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ عَامِلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَائِبٌ عَنْهُ فِي أُمَّتِهِ . وَأَمَّا مُؤْنَةُ نِسَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَبَقَ بَيَانُهَا قَرِيبًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي تَفْسِيرِ صَدَقَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ قَالَ : صَارَتْ إِلَيْهِ بِثَلَاثَةِ حُقُوقٍ : أَحَدُهَا : مَا وُهِبَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَلِكَ وَصِيَّةُ مُخَيْرِيقٍ الْيَهُودِيِّ لَهُ عِنْدَ إِسْلَامِهِ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَكَانَتْ سَبْعَ حَوَائِطَ فِي ج١٢ / ص٤٣٢بَنِي النَّضِيرِ ، وَمَا أَعْطَاهُ الْأَنْصَارُ مِنْ أَرْضِهِمْ وَهُوَ مَا لَا يَبْلُغُهُ الْمَاءُ ، وَكَانَ هَذَا مِلْكًا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الثَّانِي : حَقُّهُ مِنَ الْفَيْءِ مِنْ أَرْضِ بَنِي النَّضِيرِ حِينَ أَجْلَاهُمْ كَانَتْ لَهُ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهَا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ، وَأَمَّا مَنْقُولَاتُ بَنِي النَّضِيرِ فَحَمَلُوا مِنْهَا مَا حَمَلَتْهُ الْإِبِلُ غَيْرَ السِّلَاحِ كَمَا صَالَحَهُمْ ، ثُمَّ قَسَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَاقِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَانَتِ الْأَرْضُ لِنَفْسِهِ ، وَيُخْرِجُهَا فِي نَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَذَلِكَ نِصْفُ أَرْضِ فَدَكٍ ، صَالَحَ أَهْلَهَا بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ عَلَى نِصْفِ أَرْضِهَا ، وَكَانَ خَالِصًا لَهُ ، وَكَذَلِكَ ثُلُثُ أَرْضِ وَادِي الْقُرَى ، أَخَذَهُ فِي الصُّلْحِ حِينَ صَالَحَ أَهْلَهَا الْيَهُودَ . وَكَذَلِكَ حِصْنَانِ مِنْ حُصُونِ خَيْبَرَ ، وَهُمَا الْوَطِيخُ وَالسَّلَالِمُ ، أَخَذَهُمَا صُلْحًا .

الثَّالِثُ : سَهْمُهُ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ ، وَمَا افْتَتَحَ فِيهَا عَنْوَةً ، فَكَانَتْ هَذِهِ كُلُّهَا مِلْكًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً ، لَا حَقَّ فِيهَا لِأَحَدٍ غَيْرِهِ ، لَكِنْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَسْتَأْثِرُ بِهَا بَلْ يُنْفِقُهَا عَلَى أَهْلِهِ وَالْمُسْلِمِينَ ، وَلِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ ، وَكُلُّ هَذِهِ صَدَقَاتٌ مُحَرَّمَاتُ التَّمَلُّكِ بَعْدَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ3 أحاديث
موقع حَـدِيث