حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

بَاب صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ

[ 92 ] - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ الْمِصِّيصِيُّ ، جَمِيعًا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ - وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ - أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ : لَمَّا أُحْصِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْبَيْتِ صَالَحَهُ أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا ، فَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثًا ، وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ ؛ السَّيْفِ وَقِرَابِهِ ، وَلَا يَخْرُجَ بِأَحَدٍ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهَا وَلَا يَمْنَعَ أَحَدًا يَمْكُثُ بِهَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ ، قَالَ لِعَلِيٍّ : اكْتُبْ الشَّرْطَ بَيْنَنَا : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، فَقَالَ لَهُ الْمُشْرِكُونَ : لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ تَابَعْنَاكَ ، وَلَكِنْ اكْتُبْ : مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، فَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَمْحَاهَا ، فَقَالَ عَلِيٌّ : لَا وَاللَّهِ لَا أَمْحَاهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرِنِي مَكَانَهَا ، فَأَرَاهُ مَكَانَهَا فَمَحَاهَا ، وَكَتَبَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ اليَوْمُ الثَّالِث قَالُوا لِعَلِيٍّ : هَذَا آخِرُ يَوْمٍ مِنْ شَرْطِ صَاحِبِكَ ، فَأْمُرْهُ فَلْيَخْرُجْ ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ : نَعَمْ ، فَخَرَجَ . وَقَالَ ابْنُ جَنَابٍ فِي رِوَايَتِهِ - مَكَانَ تَابَعْنَاكَ - : بَايَعْنَاكَ . قَوْلُهُ : ( لَمَّا أُحْصِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْبَيْتِ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا ( أُحْصِرَ عِنْدَ الْبَيْتِ ) وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ جَمِيعِ الرُّوَاةِ سِوَى ابْنِ الْحَذَّاءِ ؛ فَإِنَّ فِي رِوَايَتِهِ : ( عَنِ الْبَيْتِ ) وَهُوَ الْوَجْهُ ، وَأَمَّا الْحَصْرُ وَحُصِرَ فَسَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ .

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَرِنِي مَكَانَهَا ، فَأَرَاهُ مَكَانَهَا ، فَمَحَاهَا وَكَتَبَ : ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : احْتَجَّ بِهَذَا اللَّفْظِ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ ذَلِكَ بِيَدِهِ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ نَحْوَهُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَقَالَ فِيهِ : أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكِتَابَ فَكَتَبَ ، وَزَادَ عَنْهُ فِي طَرِيقٍ آخَرَ " وَلَا يُحْسِنُ أَنْ يَكْتُبَ فَكَتَبَ " قَالَ أَصْحَابُ هَذَا الْمَذْهَبِ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى ذَلِكَ عَلَى يَدِهِ إِمَّا بِأَنْ كَتَبَ ذَلِكَ الْقَلَمُ بِيَدِهِ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِمَا يَكْتُبُ ، أَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّمَهُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ حَتَّى كَتَبَ ، وَجَعَلَ هَذَا زِيَادَةً فِي مُعْجِزَتِهِ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ أُمِّيًّا فَكَمَا عَلَّمَهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ مِنَ الْعِلْمِ ، وَجَعَلَهُ يَقْرَأُ ، أو يَتْلُو مَا لَمْ يَكُنْ يَتْلُو ، كَذَلِكَ عَلَّمَهُ أَنْ يَكْتُبَ مَا لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ ، وَخَطَّ مَا لَمْ يَخُطَّ بَعْدَ النُّبُوَّةِ ، أَوْ أَجْرَى ذَلِكَ عَلَى يَدِهِ ، قَالُوا : وَهَذَا لَا يَقْدَحُ فِي وَصْفِهِ بِالْأُمِّيَّةِ ، وَاحْتَجُّوا بِآثَارٍ جَاءَتْ فِي هَذَا عَنِ الشَّعْبِيِّ وَبَعْضِ السَّلَفِ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَتَبَ . قَالَ الْقَاضِي : وَإِلَى جَوَازِ هَذَا ذَهَبَ الْبَاجِيُّ ، وَحَكَاهُ عَنِ السِّمَنَانِيِّ وَأَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى مَنْعِ هَذَا كُلِّهِ ، قَالُوا : وَهَذَا الَّذِي زَعَمَهُ الذَّاهِبُونَ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يُبْطِلُهُ وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ج١٢ / ص٤٧٣وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسِبُ " ، قَالُوا : وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : ( كَتَبَ ) مَعْنَاهُ : أَمَرَ بِالْكِتَابَةِ ، كَمَا يُقَالُ : رَجَمَ مَاعِزًا ، وَقَطَعَ السَّارِقَ ، وَجَلَدَ الشَّارِبَ ، أَيْ : أَمَرَ بِذَلِكَ ، وَاحْتَجُّوا بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( فَقَالَ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - اكْتُبْ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ) قَالَ الْقَاضِي : وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّهُ لَمْ يَتْلُ وَلَمْ يَخُطَّ ، أَيْ مِنْ قَبْلِ تَعْلِيمِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : مِنْ قَبْلِهِ فَكَمَا جَازَ أَنْ يَتْلُوَ جَازَ أَنْ يَكْتُبَ ، وَلَا يَقْدَحُ هَذَا فِي كَوْنِهِ أُمِّيًّا إِذْ لَيْسَتِ الْمُعْجِزَةُ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا ، فَإِنَّ الْمُعْجِزَةَ حَاصِلَةٌ بِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلًا كَذَلِكَ ، ثُمَّ جَاءَ بِالْقُرْآنِ ، وَبِعُلُومٍ لَا يَعْلَمُهَا الْأُمِّيُّونَ ، قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ ظَاهِرٌ ، قَالَ : وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا : ( وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَكْتُبَ فَكَتَبَ ) كَالنَّصِّ أَنَّهُ كَتَبَ بِنَفْسِهِ ، قَالَ : وَالْعُدُولُ إِلَى غَيْرِهِ مَجَازٌ ، وَلَا ضَرُورَةَ إِلَيْهِ ، قَالَ : وَقَدْ طَالَ كَلَامُ كُلِّ فِرْقَةٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَشَنَّعَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ عَلَى الْأُخْرَى فِي هَذَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ كُلِّهَا ( يَوْمُ الثَّالِثِ ) بِإِضَافَةِ ( يَوْمٍ ) إِلَى الثَّالِثِ ، وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ ، وَمَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ : جَوَازُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَمَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ : تَقْدِيرُ مَحْذُوفٍ مِنْهُ ، أَيْ يَوْمُ الزَّمَانِ الثَّالِثِ . قَوْلُهُ : ( فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ قَالُوا لِعَلِيٍّ : هَذَا آخِرُ يَوْمٍ مِنْ شَرْطِ صَاحِبِكَ فَأْمُرْهُ أَنْ يَخْرُجَ ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ : نَعَمْ ، فَخَرَجَ ) هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ حَذْفٌ وَاخْتِصَارٌ ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَمْ يَقَعْ فِي عَامِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ ، وَهِيَ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ ، وَكَانُوا شَارَطُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ يَجِيءَ بِالْعَامِ الْمُقْبِلِ فَيَعْتَمِرَ ، وَلَا يُقِيمَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، فَجَاءَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، فَأَقَامَ إِلَى أَوَاخِرِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ ، فَقَالُوا لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَذَا الْكَلَامَ ، فَاخْتَصَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْإِقَامَةَ وَهَذَا الْكَلَامَ كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، وَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ بِكَوْنِهِ مَعْلُومًا ، وَقَدْ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَاتٍ أُخَرَ ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ أَحْوَجُوهُمْ إِلَى أَنْ يَطْلُبُوا مِنْهُمُ الْخُرُوجَ وَيَقُومُوا بِالشَّرْطِ ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذَا الطَّلَبَ كَانَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ بِيَسِيرٍ ، وَكَانَ عَزْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ عَلَى الِارْتِحَالِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الثَّلَاثَةِ ، فَاحْتَاطَ الْكُفَّارُ لِأَنْفُسِهِمْ وَطَلَبُوا الِارْتِحَالَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الثَّلَاثَةِ بِيَسِيرٍ ، فَخَرَجُوا عِنْدَ انْقِضَائِهَا وَفَاءً بِالشَّرْطِ ، لَا أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِيمِينَ لَوْ لَمْ يُطْلَبِ ارْتِحَالُهُمْ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث