بَاب تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَمِنْ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ وَالزَّبِيبِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُسْكِرُ
كِتَاب الْأَشْرِبَةِ [1] ( 1979 ) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : أَصَبْتُ شَارِفًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَغْنَمٍ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَارِفًا أُخْرَى ، فَأَنَخْتُهُمَا يَوْمًا عِنْدَ بَابِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهِمَا إِذْخِرًا لِأَبِيعَهُ ، وَمَعِي صَائِغٌ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ فَأَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى وَلِيمَةِ فَاطِمَةَ ، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَشْرَبُ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ مَعَهُ قَيْنَةٌ تُغَنِّيهِ ، فَقَالَتْ : أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ ، فَثَارَ إِلَيْهِمَا حَمْزَةُ بِالسَّيْفِ ، فَجَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا ، وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا ، ثُمَّ أَخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا . قُلْتُ لِابْنِ شِهَابٍ : وَمِنْ السَّنَامِ قَالَ : قَدْ جَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا ، فَذَهَبَ بِهَا . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : قَالَ عَلِيٌّ : فَنَظَرْتُ إِلَى مَنْظَرٍ أَفْظَعَنِي ، فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ، فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ ، فَخَرَجَ وَمَعَهُ زَيْدٌ ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ ، فَدَخَلَ عَلَى حَمْزَةَ ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ ، فَرَفَعَ حَمْزَةُ بَصَرَهُ فَقَالَ : هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِآبَائِي ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَهْقِرُ حَتَّى خَرَجَ عَنْهُمْ .
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ . كِتَاب الْأَشْرِبَةِ ( 1 ) بَاب تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَمِنْ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ وَالزَّبِيبِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُسْكِرُ قَوْلُهُ : ( أَصَبْتُ شَارِفًا ) هِيَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْفَاءِ ، وَهِيَ النَّاقَةُ الْمُسِنَّةُ ، وَجَمْعُهَا : شُرُفٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِهَا . قَوْلُهُ : ( أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهَا إِذْخِرًا لِأَبِيعَهُ ، وَمَعِي صَائِغٌ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ ، فَأَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى وَلِيمَةِ فَاطِمَةَ ) أَمَّا ( قَيْنُقَاعُ ) فَبِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِهَا وَفَتْحِهَا ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ ، فَيَجُوزُ صَرْفُهُ عَلَى إِرَادَةِ الْحَيِّ ، وَتَرْكُ صَرْفِهِ عَلَى إِرَادَةِ الْقَبِيلَةِ أَوِ الطَّائِفَةِ .
وَفِيهِ اتِّخَاذُ الْوَلِيمَةِ لِلْعُرْسِ ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَنْ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ ، وَمَنْ دُونَهُ ، وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ ، وَفِيهِ : جَوَازُ الِاسْتِعَانَةِ فِي الْأَعْمَالِ وَالأكْسَابِ بِالْيَهُودِيِّ ، وَفِيهِ : جَوَازُ الِاحْتِشَاشِ لِلتَّكَسُّبِ وَبَيْعِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ الْمُرُوءَةَ ، وَفِيهِ : جَوَازُ بَيْعِ الْوَقُودِ لِلصَّوَّاغِينَ وَمُعَامَلَتِهِمْ . قَوْلُهُ : ( مَعَهُ قَيْنَةٌ تُغَنِّيهِ ) الْقَيْنَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ الْجَارِيَةُ الْمُغَنِّيَةُ . قَوْلُهُ : ( أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ ) الشُّرُفُ النواء بِضَمِّ الشِّينِ وَالرَّاءِ وَتَسْكِينِ الرَّاءِ أَيْضًا كَمَا سَبَقَ جَمْعُ شَارِفٍ ، وَالنِّوَاءُ بِكَسْرِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَبِالْمَدِّ أَيِ السِّمَانُ ، جَمْعُ نَاوِيَةٍ بِالتَّخْفِيفِ ، وَهِيَ السَّمِينَةُ ، وَقَدْ نَوَتِ النَّاقَةُ تَنْوِي ، كَرَمَتْ تَرْمِي ، يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ إِذَا سَمِنَتْ ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي النِّوَاءِ أَنَّهَا بِكَسْرِ النُّونِ ، وَبِالْمَدِّ هُوَ الصَّوَابُ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .
وَيَقَعُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ النَّوَى بِالْيَاءِ ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ : ( ذَا الشَّرَفِ النَّوَى ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَالرَّاءِ وَبِفَتْحِ النُّونِ مَقْصُورًا . قَالَ : وَفَسَّرَهُ بِالْبُعْدِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ .
قَالَ : وَهُوَ غَلَطٌ فِي الرِّوَايَةِ وَالتَّفْسِيرِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ تَمَامُ هَذَا الشِّعْرِ : أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ وَهُنَّ مُعَقَّلَاتٌ بِالْفَنَاءِ ضَعِ السِّكِّينَ فِي اللَّبَّاتِ مِنْهَا وَضَرِّجْهُنَّ حَمْزَةُ بِالدِّمَاءِ وَعَجِّلْ مِنْ أَطَايِبِهَا لِشُرْبٍ قَدِيدًا مِنْ طَبِيخٍ أَوْ شِوَاءِ قَوْلُهُ : ( فَجَبَّ أَسْنِمَتَهَمَا ) . وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( اجْتَبَّ ) ، وَفِي رِوَايَةِ لِلْبُخَارِيِّ : ( أَجَبَّ ) وَهَذِهِ غَرِيبَةٌ فِي اللُّغَةِ ، وَالْمَعْنَى : قَطَعَ . قَوْلُهُ : ( وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا ) أَيْ شَقَّهَا ، وَهَذَا الْفِعْلُ الَّذِي جَرَى مِنْ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ شُرْبِهِ الْخَمْرَ وَقَطْعِ أَسْنِمَةِ النَّاقَتَيْنِ ، وَبَقْرِ خَوَاصِرِهِمَا وَأَكْلِ لَحْمِهِمَا ، وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ .
أَمَّا أَصْلُ الشُّرْبِ وَالسُّكْرِ فَكَانَ مُبَاحًا ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ ، وَأَمَّا مَا قَدْ يَقُولُهُ بَعْضُ مَنْ لَا تَحْصِيلَ لَهُ : إِنَّ السُّكْرَ لَمْ يَزَلْ مُحَرَّمًا فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَلَا يُعْرَفُ أَصْلًا ، وَأَمَّا بَاقِي الْأُمُورِ فَجَرَتْ مِنْهُ فِي حَالِ عَدَمِ التَّكْلِيفِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِيهَا ؛ كَمَنْ شَرِبَ دَوَاءً لِحَاجَةٍ فَزَالَ بِهِ عَقْلُهُ ، أَوْ شَرِبَ شَيْئًا يَظُنُّهُ خَلًّا فَكَانَ خَمْرًا ، أَوْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ فَشَرِبَهَا وَسَكِرَ فَهُوَ فِي حَالِ السُّكْرِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِيمَا يَقَعُ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ بِلَا خِلَافٍ ، وَأَمَّا غَرَامَةُ مَا أَتْلَفَهُ فَيَجِبُ فِي مَالِهِ ، فَلَعَلَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَبْرَأَهُ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِقِيمَةِ مَا أَتْلَفَهُ ، أَوْ أَنَّهُ أَدَّاهُ إِلَيْهِ حَمْزَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ، أَوْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدَّاهُ عَنْهُ لِحُرْمَتِهِ عِنْدَهُ ، وَكَمَالِ حَقِّهِ وَمَحَبَّتِهِ إِيَّاهُ وَقَرَابَتِهِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ عُمَرَ بْنِ شَيْبَةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَرَّمَ حَمْزَةَ النَّاقَتَيْنِ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَا أَتْلَفَهُ السَّكْرَانُ مِنَ الْأَمْوَالِ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ كَالْمَجْنُونِ ، فَإِنَّ الضَّمَانَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّكْلِيفُ ، وَلِهَذَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ الدِّيَةَ وَالْكَفَّارَةَ ، وَأَمَّا هَذَا السَّنَامُ الْمَقْطُوعُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ نَحْرُهُمَا فَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيْتٌ ، وَفِيهِ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ السُّنَنِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ذَكَّاهُمَا ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الشِّعْرُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ ، فَإِنْ كَانَ ذَكَّاهُمَا فَلَحْمُهُمَا حَلَالٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُدَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَا ذَبَحَهُ سَارِقٌ أَوْ غَاصِبٌ أَوْ مُتَعَدٍّ ، وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ حِلُّهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَكَّاهُمَا وَثَبَتَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهُمَا فَهُوَ أَكْلٌ فِي حَالَةِ السُّكْرِ الْمُبَاحِ ، وَلَا إِثْمَ فِيهِ كَمَا سَبَقَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَهْقِرُ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( فَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرَى ) قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرُهُمْ : الْقَهْقَرَى : الرُّجُوعُ إِلَى وَرَاءُ ، وَوَجْهُهُ إِلَيْكَ إِذَا ذَهَبَ عَنْكَ ، وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو : هُوَ الْإِخصارُ فِي الرُّجُوعِ ، أَيِ الْإِسْرَاعُ ؛ فَعَلَى هَذَا مَعْنَاهُ : خَرَجَ مُسْرِعًا ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمَعْرُوفُ ، وَإِنَّمَا رَجَعَ الْقَهْقَرَى خَوْفًا مِنْ أَنْ يَبْدُوَ مِنْ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَمْرٌ يَكْرَهُهُ لَوْ وَلَّاهُ ظَهْرَهُ لِكَوْنِهِ مَغْلُوبًا بِالسُّكْرِ .