بَاب تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَمِنْ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ وَالزَّبِيبِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُسْكِرُ
[3] ( 1980 ) - حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ - أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الْفَضِيخُ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي ، فَقَالَ : اخْرُجْ فَانْظُرْ ، فَخَرَجْتُ ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي : أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ . قَالَ : فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ : اخْرُجْ فَأهْرِقْهَا ، فَهَرَقْتُهَا ، فَقَالُوا أَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ : قُتِلَ فُلَانٌ قُتِلَ فُلَانٌ ، وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ قَالَ : فَلَا أَدْرِي هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قَوْلُهُ : ( وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الْفَضِيخُ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ ) قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : الْفَضِيخُ أَنْ يَفْضَخَ الْبُسْرِ وَيَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَيَتْرُكَهُ حَتَّى يَغْلِيَ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هُوَ مَا فُضِخَ مِنَ الْبُسْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمَسَّهُ نَارٌ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ تَمْرٌ فَهُوَ خَلِيطٌ . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ تَصْرِيحٌ بِتَحْرِيمِ جَمِيعِ الْأَنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ ، وَأَنَّهَا كُلَّهَا تُسَمَّى خَمْرًا ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْفَضِيخُ ، وَنَبِيذُ التَّمْرِ ، وَالرُّطَبُ ، وَالْبُسْرُ ، وَالزَّبِيبُ ، وَالشَّعِيرُ ، وَالذُّرَةُ ، وَالْعَسَلُ وَغَيْرُهَا ، وَكُلُّهَا مُحَرَّمَةٌ ، وَتُسَمَّى خَمْرًا .
هَذَا مَذْهَبُنَا ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ وَالْجَمَاهِيرُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ : إِنَّمَا يَحْرُمُ عَصِيرُ الْعِنَبِ ، وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ النِّيءُ ، فَأَمَّا الْمَطْبُوخُ مِنْهُمَا ، وَالنِّيءُ وَالْمَطْبُوخُ مِمَّا سِوَاهُمَا فَحَلَالٌ مَا لَمْ يُشْرَبْ وَيُسْكِرْ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنَّمَا يَحْرُمُ عَصِيرُ ثَمَرَاتِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ . قَالَ : فَسُلَافَةُ الْعِنَبِ يَحْرُمُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا ، إِلَّا أَنْ ج١٣ / ص١٣٠يُطْبَخَ حَتَّى يَنْقُصَ ثُلُثَاهَا .
وَأَمَّا نَقِيعُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ فَقَالَ : يحِلُّ مَطْبُوخُهُمَا ، وَإِنْ مَسَّتْهُ النَّارُ شَيْئًا قَلِيلًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ لِحَدٍّ كَمَا اعْتُبِرَ فِي سُلَافَةِ الْعِنَبِ . قَالَ : وَالنِّيءُ مِنْهُ حَرَامٌ . قَالَ : وَلَكِنَّهُ لَا يُحَدُّ شَارِبُهُ ، هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يُشْرَبْ وَيُسْكِرْ ، فَإِنْ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، أَمَّا الْقُرْآنُ فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَبَّهَ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ كَوْنُهَا تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيعِ الْمُسْكِرَاتِ ، فَوَجَبَ طَرْدُ الْحُكْمِ فِي الْجَمِيعِ ، فَإِنْ قِيلَ : إِنَّمَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْإِسْكَارِ ، وَذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، قُلْنَا : قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ ، وَقَدْ عَلَّلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ تَحْرِيمَهُ كَمَا سَبَقَ ، فَإِذَا كَانَ مَا سِوَاهُ فِي مَعْنَاهُ وَجَبَ طَرْدُ الْحُكْمِ فِي الْجَمِيعِ ، وَيَكُونُ التَّحْرِيمُ لِلْجِنْسِ الْمُسْكِرِ ، وَعُلِّلَ بِمَا يَحْصُلُ مِنَ الْجِنْسِ فِي الْعَادَةِ ، قَالَ الْمَازِنِيُّ : هَذَا الِاسْتِدْلَالُ آكَدُ مِنْ كُلِّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، قَالَ : وَلَنَا فِي الِاسْتِدْلَالِ طَرِيقٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : إِذَا شَرِبَ سُلَافَةَ الْعِنَبِ عِنْدَ اعْتِصَارِهَا وَهِيَ حُلْوَةٌ لَمْ تُسْكِرْ فَهِيَ حَلَالٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَإِنِ اشْتَدَّتْ وَأَسْكَرَتْ حَرُمَتْ بِالْإِجْمَاعِ ، فَإِنْ تَخَلَّلَتْ مِنْ غَيْرِ تَخْلِيلِ آدَمِيٍّ حَلَّتْ ، فَنَظَرْنَا إِلَى مُسْتَبْدَلِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَتَجَدُّدِهَا عِنْدَ تَجَدُّدِ الصِّفَاتِ وَتَبَدُّلِهَا ، فَأَشْعَرَنَا ذَلِكَ بِارْتِبَاطِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، وَقَامَ ذَلِكَ مقام التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ بِالنُّطْقِ ، فَوَجَبَ جَعْلُ الْجَمِيعِ سَوَاءً فِي الْحُكْمِ ، وَأَنَّ الْإِسْكَارَ هُوَ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ ، هَذِهِ إِحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ فِي الِاسْتِدْلَالِ لِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ .
وَالثَّانِيَةُ : الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْكَثِيرَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ " وَقَوْلِهِ : " نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ " وَحَدِيثُ " كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ " وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ هُنَا فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : " كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ " وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ أَسْكَرَ عَنِ الصَّلَاةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .