بَاب اسْتِحْبَابِ إِدَارَةِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِمَا عَنْ يَمِينِ الْمُبْتَدِئِ
[127] ( 2030 ) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ : أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ الْغُلَامُ : وَاللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا . قَالَ : فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ . [128] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، ح ، وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ - كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ .
وَلَمْ يَقُولَا : فَتَلَّهُ ، وَلَكِنْ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ قَالَ : فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ . وَقَوْلُهُ : ( فَتَلَّهُ فِي يَدِهِ ) أَيْ وَضَعَهُ فِيهَا ، وَقَدْ جَاءَ فِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ؛ وَمِنَ الْأَشْيَاخِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قِيلَ : إِنَّمَا اسْتَأْذَنَ الْغُلَامَ دُونَ الْأَعْرَابِيِّ إِدْلَالًا عَلَى الْغُلَامِ ، وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَثِقَةً بِطِيبِ نَفْسِهِ بِأَصْلِ الِاسْتِئْذَانِ ، لا سيما وَالْأَشْيَاخُ أَقَارِبُهُ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : ( عَمُّكَ وَابْنُ عَمِّكَ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ ) وَفَعَلَ ذَلِكَ أَيْضًا تَأَلُّفًا لِقُلُوبِ الْأَشْيَاخِ ، وَإِعْلَامًا بِوُدِّهِمْ ، وَإِيثَارِ كَرَامَتِهِمْ إِذَا لَمْ تَمْنَعْ مِنْهَا سُنَّةٌ ، وَتَضَمَّنَ ذَلِكَ أَيْضًا بَيَانَ هَذِهِ السُّنَّةِ ، وَهِيَ أَنَّ الْأَيْمَنَ أَحَقُّ ، وَلَا يُدْفَعُ إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِاسْتِئْذَانِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِذْنُ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَن لا يَأْذَنَ إِنْ كَانَ فِيهِ تَفْوِيتُ فَضِيلَةٍ أُخْرَوِيَّةٍ ، وَمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ كَهَذِهِ الصُّورَةِ ، وَقَدْ نَصَّ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْثَرُ فِي الْقُرَبِ ، وَإِنَّمَا الْإِيثَارُ الْمَحْمُودُ مَا كَانَ فِي حُظُوظِ النَّفْسِ دُونَ الطَّاعَاتِ ، قَالُوا : فَيُكْرَهُ أَنْ يُؤْثِرَ غَيْرَهُ بِمَوْضِعِهِ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، وَكَذَلِكَ نَظَائِرُهُ .
وَأَمَّا الْأَعْرَابِيُّ فَلَمْ يَسْتَأْذِنْهُ مَخَافَةَ مِنْ إِيحَاشِهِ فِي اسْتِئْذَانِهِ فِي صَرْفِهِ إِلَى أَصْحَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرُبَّمَا سَبَقَ إِلَى قَلْبِ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ شَيْءٌ يَهْلِكُ بِهِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَفَتِهَا ، وَعَدَمِ تَمَكُّنِهِ فِي مَعْرِفَتِهِ خُلُقَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ تَظَاهَرَتِ النُّصُوصُ عَلَى تَأَلُّفِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلْبَ مَنْ يَخَافُ عَلَيْهِ . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْعِلْمِ : مِنْهَا أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالْيَمِينِ فِي الشَّرَابِ وَنَحْوِهِ سُنَّةٌ ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالشَّرَابِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ : لَا يَصِحُّ هَذَا عَنْ مَالِكٍ .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ السُّنَّةَ وَرَدَتْ فِي الشَّرَابِ خَاصَّةً ، وَإِنَّمَا يُقَدَّمُ الْأَيْمَنُ فَالْأَيْمَنُ فِي غَيْرِهِ بِالْقِيَاسِ ، لَا بِسُنَّةٍ مَنْصُوصَةٍ فِيهِ . وَكَيْفَ كَانَ فَالْعُلَمَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّيَامُنِ فِي الشَّرَابِ وَأَشْبَاهِهِ . وَفِيهِ جَوَازُ شُرْبِ اللَّبَنِ الْمَشُوبِ .
وَفِيهِ أَنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِعٍ مُبَاحٍ أَوْ مَجْلِسِ الْعَالِمِ وَالْكَبِيرِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِمَّنْ يَجِيءُ بَعْدَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .