بَاب إِبَاحَةِ أَكْلِ الثُّومِ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ خِطَابَ الْكِبَارِ تَرْكُهُ وَكَذَا مَا فِي مَعْنَاهُ
[ 171 ] - وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ - وَاللَّفْظُ مِنْهُمَا قَرِيبٌ - قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ ، فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ يَزِيدَ أَبُو زَيْدٍ الْأَحْوَلُ ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَفْلَحَ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ عَلَيْهِ فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السُّفْلِ وَأَبُو أَيُّوبَ فِي الْعِلْوِ قَالَ : فَانْتَبَهَ أَبُو أَيُّوبَ لَيْلَةً فَقَالَ : نَمْشِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنَحَّوْا فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : السُّفْلُ أَرْفَقُ ، فَقَالَ : لَا أَعْلُو سَقِيفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا فَتَحَوَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعُلُوِّ وَأَبُو أَيُّوبَ فِي السُّفْلِ فَكَانَ يَصْنَعُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِهِ فَيَتَتَبَّعُ مَوْضِعَ أَصَابِعِهِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فِيهِ ثُومٌ فَلَمَّا رُدَّ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ : لَمْ يَأْكُلْ فَفَزِعَ ، وَصَعِدَ إِلَيْهِ فَقَالَ : أَحَرَامٌ هُوَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ ، قَالَ : فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ أَوْ مَا كَرِهْتَ ، قَالَ : وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْتَى . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْتَى ) مَعْنَاهُ تَأْتِيهِ الْمَلَائِكَةُ وَالْوَحْيُ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ ( إِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ ) وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْرُكُ الثُّومَ دَائِمًا ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّعُ مَجِيءَ الْمَلَائِكَةِ وَالْوَحْيِ كُلَّ سَاعَةٍ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي حُكْمِ الثُّومِ فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَذَلِكَ الْبَصَلُ وَالْكُرَّاثُ وَنَحْوُهَا ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : هِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ ، لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً لِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : لَا ، فِي جَوَابِ قَوْلِهِ أَحَرَامٌ هُوَ ؟ وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ يَقُولُ : مَعْنَى الْحَدِيثِ لَيْسَ بِحَرَامٍ فِي حَقِّكُمْ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ أَكَلَ مِنْهُ ، وَبَعَثَ بِفَضْلِهِ إِلَيَّ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا : إِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْآكِلِ وَالشَّارِبِ أَنْ يُفْضِلَ مِمَّا يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فَضْلَةً لِيُوَاسِيَ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَبَرَّكُ بِفَضْلَتِهِ ، وَكَذَا إِذَا كَانَ فِي الطَّعَامِ قِلَّةً ، وَلَهُمْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ ، وَيَتَأَكَّدُ هَذَا فِي حَقِّ الضَّيْفِ ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتْ عَادَةُ أَهْلِ الطَّعَامِ أَنْ يُخْرِجُوا كُلَّ مَا عِنْدَهُمْ وَتَنْتَظِرُ عِيَالُهُمُ الْفَضْلَةَ ، كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ ج١٤ / ص٢٠٨مِنَ النَّاسِ . وَنَقَلُوا أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إِفْضَالَ هَذِهِ الْفَضْلَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ .
قَوْلُهُ : ( نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السُّفْلِ وَأَبُو أَيُّوبَ فِي الْعُلْوِ ، ثُمَّ ذَكَرَ كَرَاهَةَ أَبِي أَيُّوبَ لِعُلْوِهِ وَمَشْيِهِ فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحَوَّلَ إِلَى الْعُلْو ) أَمَّا نُزُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلًا فِي السُّفْلِ فَقَدْ صَرَّحَ بِسَبَبِهِ ، وَأَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ وَقَاصِدِيهِ ، وَأَمَّا كَرَاهَةُ أَبِي أَيُّوبَ فَمِنَ الْأَدَبِ الْمَحْبُوبِ الْجَمِيلِ ، وَفِيهِ إِجْلَالُ أَهْلِ الْفَضْلِ ، وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْأَدَبِ مَعَهُمْ . وَالسُّفْلُ وَالْعُلْوُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِمَا وَضَمِّهِ لُغَتَانِ . وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَوْجُهٍ : مِنْهَا : نُزُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمِنْهَا : أَدَبُهُ مَعَهُ ، وَمِنْهَا : مُوَافَقَتُهُ فِي تَرْكِ الثُّومِ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ ) وَمِنْ أَوْصَافِ الْمُحِبِّ الصَّادِقِ أَنْ يُحِبَّ مَا أَحَبَّ مَحْبُوبُهُ ، وَيَكْرَهَ مَا كَرِهَ . قَوْلُهُ : ( فَكَانَ يَصْنَعُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا ، فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِهِ ، فَيَتَتَبَّعُ مَوْضِعَ أَصَابِعِهِ ) يَعْنِي إِذَا بَعَثَ إِلَيْهِ فَأَكَلَ مِنْهُ حَاجَتَهُ ، ثُمَّ رَدَّ الْفَضْلَةَ ، أَكَلَ أَبُو أَيُّوبَ مِنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَرُّكًا ، فَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِآثَارِ أَهْلِ الْخَيْرِ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ . قَوْلُهُ : ( فَقِيلَ لَهُ : لَمْ يَأْكُلْ ، فَفَزِعَ ) يَعْنِي فَزِعَ لِخَوْفِهِ أَنْ يَكُونَ حَدَثَ مِنْهُ أَمْرٌ أَوْجَبَ الِامْتِنَاعَ مِنْ طَعَامِهِ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ يَزِيدَ أَخُو زَيْدٍ الْأَحْوَلِ ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ بِبِلَادِنَا : ( أَخُو زَيْدٍ ) بِالْخَاءِ ، وَهُوَ غَلَطٌ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ ، وَصَوَابُهُ ( أَبُو زَيْدٍ ) بِالْبَاءِ كُنْيَةً لِثَابِتٍ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَلَى الصَّوَابِ عَنْ جَمِيعِ شُيُوخِهِمْ وَنُسَخِ بِلَادِهِمْ ، وَأَنَّهُ فِي كُلِّهَا ( أَبُو زَيْدٍ ) بِالْبَاءِ . قَالَ : وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ ( أَخُو زَيْدٍ ) ، وَهُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ ثَابِتُ بْنُ زَيْدٍ أَوْ زَيْدُ الْأَنْصَارِيُّ الْبَصْرِيُّ الْأَحْوَلُ . وَحَكَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ أَنَّهُ قَالَ : ثَابِتُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَالْأَصَحُّ ( ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ ) بِالْيَاءِ أَبُو زَيْدٍ .
ج١٤ / ص٢٠٩وَقَوْلُهُ : فِي أَصْلِ كِتَابِ مُسْلِمٍ : ( الْأَحْوَلُ ) مَرْفُوعٌ صِفَةٌ لِثَابِتٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .