بَاب إِكْرَامِ الضَّيْفِ وَفَضْلِ إِيثَارِهِ
[ 176 ] 2057 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْقَيْسِيُّ ، كُلُّهُمْ عَنْ الْمُعْتَمِرِ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ مُعَاذٍ - حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : قَالَ أَبِي : حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا نَاسًا فُقَرَاءَ ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَرَّةً : مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةٍ ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ أَوْ كَمَا قَالَ ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ ، وَانْطَلَقَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَشَرَةٍ ، وَأَبُو بَكْرٍ بِثَلَاثَةٍ ، قَالَ : فَهُوَ وَأَنَا وَأَبِي وَأُمِّي ، وَلَا أَدْرِي هَلْ قَالَ وَامْرَأَتِي ، وَخَادِمٌ بَيْنَ بَيْتِنَا ، وَبَيْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ : وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَتْ الْعِشَاءُ ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ ، أَوْ قَالَتْ : ضَيْفِكَ . قَالَ : أَوَ مَا عَشَّيْتِهِمْ ؟ قَالَتْ : أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ قَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ فَغَلَبُوهُمْ قَالَ : فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ ، وَقَالَ : يَا غُنْثَرُ فَجَدَّعَ وَسَبَّ ، وَقَالَ : كُلُوا لَا هَنِيئًا ، وَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا ، قَالَ : فَايْمُ اللَّهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا ، قَالَ : حَتَّى شَبِعْنَا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ ، أَوْ أَكْثَرُ ، قَالَ لِامْرَأَتِهِ : يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا ؟ قَالَتْ : لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي لَهِيَ الْآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مِرَارٍ ، قَالَ : فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ الشَّيْطَانِ يَعْنِي يَمِينَهُ ، ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً ، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ ، قَالَ : وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ فَمَضَى الْأَجَلُ فَعَرَّفْنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ إِلَّا أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُمْ فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ ، أَوْ كَمَا قَالَ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةٍ ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ ( فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةٍ ) وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ : ( فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثٍ ) .
قَالَ الْقَاضِي : هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ هُوَ الصَّوَابُ ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِسِيَاقِ بَاقِي الْحَدِيثِ . قُلْتُ : وَلِلَّذِي فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا وَجْهٌ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مُوَافَقَةِ الْبُخَارِيِّ وَتَقْدِيرُهُ ، فَلْيَذْهَبْ بِمَنْ يُتِمُّ ثَلَاثَةً ، أَوْ بِتَمَامِ ثَلَاثَةٍ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَيْ فِي تَمَامِ أَرْبَعَةٍ ، وَسَبَقَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ إِيضَاحُ هَذَا ، وَذِكْرُ ج١٤ / ص٢١٤نَظَائِرِهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ الْإِيثَارِ وَالْمُوَاسَاةِ ، وَأَنَّهُ إِذَا حَضَرَ ضِيفَانٌ كَثِيرُونَ فَيَنْبَغِي لِلْجَمَاعَةِ أَنْ يَتَوَزَّعُوهُمْ ، وَيَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْ يَحْتَمِلُهُ ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِكَبِيرِ الْقَوْمِ أَنْ يَأْمُرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ ، وَيَأْخُذَ هُوَ مَنْ يُمْكِنُهُ .
قَوْلُهُ : ( وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ ، وَانْطَلَقَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَشَرَةٍ ) هَذَا مُبَيِّنٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَخْذِ بِأَفْضَلِ الْأُمُورِ ، وَالسَّبْقِ إِلَى السَّخَاءِ وَالْجُودِ ، فَإِنَّ عِيَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا قَرِيبًا مِنْ عَدَدِ ضِيفَانِهِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ، فَأَتَى بِنِصْفِ طَعَامِهِ أَوْ نَحْوِهِ ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِثُلُثِ طَعَامِهِ أَوْ أَكْثَرَ ، وَأَتَى الْبَاقُونَ بِدُونِ ذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَاءَ ) قَوْلُهُ ( نَعَسَ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، وَفِي هَذَا جَوَازُ ذَهَابِ مَنْ عِنْدَهُ ضِيفَانٌ إِلَى أَشْغَالِهِ وَمَصَالِحِهِ إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يَقُومُ بِأُمُورِهِمْ ، وَيَسُدُّ مَسَدَّهُ كَمَا كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ هُنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الْحُبِّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِانْقِطَاعِ إِلَيْهِ ، وَإِيثَارِهِ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ عَلَى الْأَهْلِ وَالْأَوْلَادِ وَالضِّيفَانِ وَغَيْرِهِمْ .
قَوْلُهُ فِي الْأَضْيَافِ : ( إَنَّهُمُ امْتَنَعُوا مِنَ الْأَكْلِ حَتَّى يَحْضُرَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) هَذَا فَعَلُوهُ أَدَبًا وَرِفْقًا بِأَبِي بَكْرٍ فِيمَا ظَنُّوهُ ؛ لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ عَشَاءٌ مِنْ عَشَائِهِمْ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَالصَّوَابُ لِلضَّيْفِ أَنْ لَا يَمْتَنِعَ مِمَّا أَرَادَهُ الْمُضِيفُ مِنْ تَعْجِيلِ طَعَامٍ وَتَكْثِيرِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِ ، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يَتَكَلَّفُ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ حَيَاءً مِنْهُ فَيَمْنَعُهُ بِرِفْقٍ ، وَمَتَى شَكَّ لَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَمْتَنِعْ ، فَقَدْ يَكُونُ لِلْمُضِيفِ عُذْرٌ أَوْ غَرَضٌ فِي ذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُ إِظْهَارَهُ ، فَتَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ بِمُخَالَفَةِ الْأَضْيَافِ كَمَا جَرَى فِي قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . ج١٤ / ص٢١٥قَوْلُهُ ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : فَذَهَبْتُ فَاخْتَبَأْتُ ، وَقَالَ : يَا غُنْثَرُ ، فَجَدَّعَ وَسَبَّ ) أَمَّا اخْتِبَاؤُهُ فَخَوْفًا مِنْ خِصَامِ أَبِيهِ لَهُ ، وَشَتْمِهِ إِيَّاهُ .
وَقَوْلُهُ : ( فَجَدَّعَ ) أَيْ دَعَا بِالْجَدَعِ ، وَهُوَ قَطْعُ الْأَنْفِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَعْضَاءِ ، وَالسَّبُّ وَالشَّتْمُ . وَقَوْلُهُ : ( يَا غُنْثَرُ ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ نُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ ثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمَضْمُومَةٍ لُغَتَانِ ، هَذِهِ هِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي ضَبْطِهِ . قَالُوا : وَهُوَ الثَّقِيلُ الْوَخِمُ ، وَقِيلَ : هُوَ الْجَاهِلُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْغَثَارَةِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهِيَ الْجَهْلُ ، وَالنُّونُ فِيهِ زَائِدَةٌ ، وَقِيلَ : هُوَ السَّفِيهُ ، وَقِيلَ : هُوَ ذُبَابٌ أَزْرَقُ ، وَقِيلَ : هُوَ اللَّئِيمُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْغَثَرِ ، وَهُوَ اللُّؤْمُ .
وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا هُوَ ( غَنْثَرُ ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَالثَّاءِ ، وَرَوَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَطَائِفَةٌ ( عَنْتَرُ ) بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَتَاءٍ مُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ . قَالُوا : وَهُوَ الذُّبَابُ ، وَقِيلَ : هُوَ الْأَزْرَقُ مِنْهُ ، شَبَّهَهُ بِهِ تَحْقِيرًا لَهُ قَوْلُهُ : ( كُلُوا لَا هَنِيئًا ) إِنَّمَا قَالَهُ لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْحَرَجِ وَالْغَيْظِ بِتَرْكِهِمُ الْعِشَاءَ بِسَبَبِهِ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ لَيْسَ بِدُعَاءٍ إِنَّمَا أَخْبَرَ أَيْ لَمْ تَتَهَنَّئُوا بِهِ فِي وَقْتِهِ . قَوْلُهُ : ( وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا ) وَذَكَرَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي الْأَضْيَافِ قَالُوا : وَاللَّهِ لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ ، ثُمَّ أَكَلَ وَأَكَلُوا .
فِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَعَلَ ذَلِكَ وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ ، كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ . وَفِيهِ حَمْلُ الْمُضِيفِ الْمَشَقَّةَ عَلَى نَفْسِهِ فِي إِكْرَامِ ضِيفَانِهِ ، وَإِذَا تَعَارَضَ حِنْثُهُ وَحِنْثُهُمْ حَنَّثَ نَفْسَهُ لِأَنَّ حَقَّهَمْ عَلَيْهِ آكَدُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مُخْتَصَرٌ تُوَضِّحُهُ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، وَتُبَيِّنُ مَا حُذِفَ مِنْهُ ، وَمَا هُوَ مُقَدَّمٌ أَوْ مُؤَخَّرٌ .
قَوْلُهُ : ( مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا ، وَأَنَّهُمْ أَكَلُوا مِنْهَا حَتَّى شَبِعُوا ، وَصَارَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ بِثَلَاثِ مِرَارٍ ، ثُمَّ حَمَلُوهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلَ مِنْهَا الْخَلْقُ الْكَثِيرُ ) . فَقَوْلُهُ : ( إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ ) ضَبَطُوهُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ . هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ ج١٤ / ص٢١٦كَرَامَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ .
قَوْلُهُ : ( فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ ) وَقَوْلُهُ : ( لَهِيَ الْآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا ) ضَبَطُوهُمَا أَيْضًا بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ . قَوْلُهَا : ( لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي لَهِيَ الْآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : قُرَّةُ الْعَيْنِ يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الْمَسَرَّةِ وَرُؤْيَةِ مَا يُحِبُّهُ الْإِنْسَانُ وَيُوَافِقُهُ قِيلَ : إِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ لِأَنَّ عَيْنَهُ تَقَرُّ لِبُلُوغِهِ أُمْنِيَّتِهِ ، فَلَا يَسْتَشْرِفُ لِشَيْءٍ ، فَيَكُونُ مَأْخُوذًا مِنَ الْقَرَارِ . وَقِيلَ : مَأْخُوذٌ مِنَ الْقُرِّ بِالضَّمِّ ، وَهُوَ الْبَرْدِ ، أَيْ عَيْنُهُ بَارِدَةٌ لِسُرُورِهَا وَعَدَمِ مُقْلِقِهَا .
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ : أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ أَيْ : أَبْرَدَ دَمْعَتَهُ ؛ لِأَنَّ دَمْعَةَ الْفَرَحِ بَارِدَةٌ ، وَدَمْعَةَ الْحُزْنِ حَارَّةٌ ، وَلِهَذَا يُقَالُ فِي ضِدِّهِ : أَسْخَنَ اللَّهُ عَيْنَهُ . قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : قَالَ الدَّاوُدِيُّ : أَرَادَتْ بِقُرَّةِ عَيْنِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَقْسَمَتْ بِهِ . وَلَفْظَةُ ( لَا ) فِي قَوْلِهَا : ( لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي ) زَائِدَةٌ ، وَلَهَا نَظَائِرُ مَشْهُورَةٌ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا نَافِيَةٌ ، وَفِيهِ مَحْذُوفٌ أَيْ : لَا شَيْءَ غَيْرَ مَا أَقُولُ ، وَهُوَ وَقُرَّةُ عَيْنِي لَهِيَ أَكْثَرُ مِنْهَا . ج١٤ / ص٢١٧قَوْلُهُ : ( يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ ) هَذَا خِطَابٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ لِامْرَأَتِهِ أُمِّ رُومَانَ ، وَمَعْنَاهُ يَا مَنْ هِيَ مِنْ بَنِي فِرَاسٍ . قَالَ الْقَاضِي : فِرَاسٌ هُوَ ابْنُ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ ، وَلَا خِلَافَ فِي نَسَبِ أُمِّ رُومَانَ إِلَى غَنْمِ بْنِ مَالِكٍ ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ انْتِسَابِهَا إِلَى غَنْمٍ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ أَمْ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ غَنْمٍ ؟ وَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ كَوْنُهَا مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ .
قَوْلُهُ : ( فَعَرَّفْنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ : ( فَعَرَّفْنَا ) بِالْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ جَعَلْنَا عُرَفَاءَ . وَفِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ : ( فَفَرَّقْنَا ) بِالْفَاءِ الْمُكَرَّرَةِ فِي أَوَّلِهِ ، وَبِقَافٍ مِنَ التَّفْرِيقِ ، أَيْ جَعَلَ كُلَّ رَجُلٍ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ مَعَ فِرْقَةٍ ، فَهُمَا صَحِيحَانِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي هُنَا غَيْرَ الْأَوَّلِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ تَفْرِيقِ الْعُرَفَاءِ عَلَى الْعَسَاكِرِ وَنَحْوِهَا .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ( الْعِرَافَةُ حَتى ) لِمَا فِيهِ مِنْ مَصْلَحَةِ النَّاسِ ، وَلِيَتَيَسَّرَ ضَبْطُ الْجُيُوشِ وَنَحْوِهَا عَلَى الْإِمَامِ بِاتِّخَاذِ الْعُرَفَاءِ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ : ( الْعُرَفَاءُ فِي النَّارِ ) فَمَحْمُولٌ عَلَى الْعُرَفَاءِ الْمُقَصِّرِينَ فِي وِلَايَتِهِمْ ، الْمُرْتَكِبِينَ فِيهَا مَا لَا يَجُوزُ كَمَا هُوَ مُعْتَادٌ لِكَثِيرٍ مِنْهُمْ . قَوْلُهُ : ( فَعَرَّفْنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مَعَ كُلِّ وَاحِدِ مِنْهُمْ أُنَاسٌ ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ ، وَفِي نَادِرٌ مِنْهَا ( اثْنَيْ عَشَرَ ) وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، وَالْأَوَّلُ جَارٍ عَلَى لُغَةِ مَنْ جَعَلَ الْمُثَنَّى بِالْأَلِفِ فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْجَرِّ ، وَهِيَ لُغَةُ أَرْبَعِ قَبَائِلَ مِنَ الْعَرَبِ ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ مَرَّاتٍ .