بَاب إِكْرَامِ الضَّيْفِ وَفَضْلِ إِيثَارِهِ
[ 177 ] - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ الْعَطَّارُ ، عَنْ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ : نَزَلَ عَلَيْنَا أَضْيَافٌ لَنَا ، قَالَ : وَكَانَ أَبِي يَتَحَدَّثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اللَّيْلِ قَالَ : فَانْطَلَقَ وَقَالَ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ افْرُغْ مِنْ أَضْيَافِكَ ، قَالَ : فَلَمَّا أَمْسَيْتُ جِئْنَا بِقِرَاهُمْ قَالَ : فَأَبَوْا فَقَالُوا : حَتَّى يَجِيءَ أَبُو مَنْزِلِنَا فَيَطْعَمَ مَعَنَا قَالَ فَقُلْتُ لَهُمْ : إِنَّهُ رَجُلٌ حَدِيدٌ ، وَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا خِفْتُ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْهُ أَذًى قَالَ : فَأَبَوْا فَلَمَّا جَاءَ لَمْ يَبْدَأْ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنْهُمْ فَقَالَ : أَفَرَغْتُمْ مِنْ أَضْيَافِكُمْ ؟ قَالَ : قَالُوا : لَا وَاللَّهِ مَا فَرَغْنَا ، قَالَ : أَلَمْ آمُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ؟ قَالَ : وَتَنَحَّيْتُ عَنْهُ فَقَالَ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : فَتَنَحَّيْتُ قَالَ : فَقَالَ : يَا غُنْثَرُ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِي إِلَّا جِئْتَ ، قَالَ : فَجِئْتُ فَقُلْتُ : وَاللَّهِ مَا لِي ذَنْبٌ هَؤُلَاءِ أَضْيَافُكَ فَسَلْهُمْ قَدْ أَتَيْتُهُمْ بِقِرَاهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يَطْعَمُوا حَتَّى تَجِيءَ ، قَالَ : فَقَالَ : مَا لَكُمْ أَنْ لَا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ ، قَالَ : فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَوَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ قَالَ : فَقَالُوا : فَوَاللَّهِ لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ قَالَ : فَمَا رَأَيْتُ كَالشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ قَطُّ ، وَيْلَكُمْ مَا لَكُمْ أَنْ لَا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ ؟ قَالَ : ثُمَّ قَالَ : أَمَّا الْأُولَى فَمِنْ الشَّيْطَانِ هَلُمُّوا قِرَاكُمْ ، قَالَ : فَجِيءَ بِالطَّعَامِ فَسَمَّى فَأَكَلَ وَأَكَلُوا ، قَالَ : فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بَرُّوا وَحَنِثْتُ قَالَ : فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ : بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَأَخْيَرُهُمْ قَالَ : وَلَمْ تَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ . قَوْلُهُ : ( افْرُغْ مِنْ أَضْيَافِكَ ) أَيْ عَشِّهِمْ وَقُمْ بِحَقِّهِمْ . قَوْلُهُ : ( جِئْنَاهُمْ بِقِرَاهُمْ ) هُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ مَقْصُورٌ ، وَمَا هُوَ يُصْنَعُ لِلضَّيْفِ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى يَجِيءَ أَبُو مَنْزِلِنَا ) أَيْ صَاحِبُهُ . قَوْلُهُ : ( إِنَّهُ رَجُلٌ حَدِيدٌ ) أَيْ فِيهِ قُوَّةٌ وَصَلَابَةٌ ، وَيَغْضَبُ لِانْتِهَاكِ الْحُرُمَاتِ وَالتَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ضَيْفِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( مَا لَكُمْ أَلَا تَقْبَلُوا مِنَّا قِرَاكُمْ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قَوْلُهُ ( أَلَا ) هُوَ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ عَلَى التَّحْضِيضِ وَاسْتِفْتَاحِ الْكَلَامِ ، هَكَذَا رَوَاهُ الْجُمْهُورُ .
قَالَ : وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالتَّشْدِيدِ ، وَمَعْنَاهُ مَا لَكُمْ لَا تَقْبَلُوا قِرَاكُمْ ؟ وَأَيُّ شَيْءٍ مَنَعَكُمْ ذَلِكَ وَأَحْوَجَكُمْ إِلَى تَرْكِهِ ؟ . قَوْلُهُ : ( أَمَّا الْأُولَى فَمِنَ الشَّيْطَانِ ) يَعْنِي يَمِينَهُ . قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : مَعْنَاهُ اللُّقْمَةُ الْأُولَى فَلِقَمْعِ الشَّيْطَانِ وَإِرْغَامِهِ وَمُخَالَفَتِهِ فِي مُرَادِهِ بِالْيَمِينِ ، وَهُوَ إِيقَاعُ الْوَحْشَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَضْيَافِهِ ، فَأَخْزَاهُ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنْثِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ .
ج١٤ / ص٢١٨قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بَرُّوا وَحَنِثْتُ ، فَقَالَ : بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَأَخْيَرُهُمْ قَالَ : وَلَمْ تَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ ) مَعْنَاهُ بَرُّوا فِي أَيْمَانِهِمْ ، وَحَنِثْتُ فِي يَمِينِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ ، أَيْ : أَكْثَرُهُمْ طَاعَةً ، وَخَيْرٌ مِنْهُمْ لِأَنَّكَ حَنِثْتَ فِي يَمِينِكَ حِنْثًا مَنْدُوبًا إِلَيْهِ مَحْثُوثًا عَلَيْهِ ، فَأَنْتَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ . قَوْلُهُ : ( وَأَخْيَرُهُمْ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ ( وَأَخْيَرُهُمْ ) بِالْأَلِفِ ، وَهِيَ لُغَةٌ سَبَقَ بَيَانُهَا مَرَّاتٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَلَمْ تَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ ) يَعْنِي لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّهُ كَفَّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ .
فَأَمَّا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَهَذَا نَصٌّ فِي عَيْنِ الْمَسْأَلَةِ ، مَعَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ إلخ .