حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج

بَاب السِّحْرِ

[ 43 ] 2189 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ لَهُ : لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ ، قَالَتْ : حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ ، وَمَا يَفْعَلُهُ حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ ، أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ دَعَا ، ثُمَّ قَالَ : يَا عَائِشَةُ أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ ؟ جَاءَنِي رَجُلَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي ، وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ ، أَوْ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي : مَا وَجَعُ الرَّجُلِ ؟ قَالَ : مَطْبُوبٌ ، قَالَ : مَنْ طَبَّهُ ؟ قَالَ : لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ ، قَالَ : فِي أَيِّ شَيْءٍ ؟ قَالَ : فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ ، قَالَ : وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ ، قَالَ : فَأَيْنَ هُوَ ؟ قَالَ : فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ ، قَالَتْ : فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ : يَا عَائِشَةُ وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ، قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ ؟ قَالَ : لَا ، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللَّهُ ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ . [ 44 ] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَاقَ أَبُو كُرَيْبٍ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ ، وَقَالَ فِيهِ : فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْبِئْرِ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ، وَعَلَيْهَا نَخْلٌ ، وَقَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْرِجْهُ ، وَلَمْ يَقُلْ : أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ ؟ وَلَمْ يَذْكُرْ : فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ . ( 17 ) بَاب السِّحْرِ قَوْلُهُ : ( مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ ) بِتَقْدِيمِ الزَّايِ .

قَوْلُهُ : ( سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودِيٌّ ، حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ ) . قَالَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَجُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ السِّحْرِ ، وَأَنَّ لَهُ حَقِيقَةً كَحَقِيقَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الثَّابِتَةِ ، خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَنَفَى حَقِيقَتَهُ ، وَأَضَافَ مَا يَقَعُ مِنْهُ إِلَى خَيَالَاتٍ بَاطِلَةٍ لَا حَقَائِقَ لَهَا ، وَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ مِمَّا يُتَعَلَّمُ ، وَذَكَرَ مَا فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ مِمَّا يُكَفَّرُ بِهِ ، وَأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنُ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا يُمْكِنُ فِيمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا مُصَرِّحٌ بِإِثْبَاتِهِ ، وَأَنَّهُ أَشْيَاءُ دُفِنَتْ وَأُخْرِجَتْ ، وَهَذَا كُلُّهُ يُبْطِلُ مَا قَالُوهُ ، فَإِحَالَةُ كَوْنِهِ مِنَ الْحَقَائِقِ مُحَالٌ ، وَلَا يُسْتَنْكَرُ فِي الْعَقْلِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَخْرِقُ الْعَادَةَ عِنْدَ النُّطْقِ بِكَلَامٍ مُلَفَّقٍ ، أَوْ تَرْكِيبِ أَجْسَامٍ ، أَوِ الْمَزْجِ بَيْنَ قُوًى عَلَى تَرْتِيبٍ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا السَّاحِرُ . وَإِذَا شَاهَدَ الْإِنْسَانُ بَعْضَ الْأَجْسَامِ مِنْهَا قَاتِلَةٌ كَالسَّمُومِ ، وَمِنْهَا مُسْقِمَةٌ كَالْأَدْوِيَةِ الْحَادَّةِ ، وَمِنْهَا مُضِرَّةٌ كَالْأَدْوِيَةِ الْمُضَادَّةِ لِلْمَرَضِ لَمْ يَسْتَبْعِدْ عَقْلُهُ أَنْ يَنْفَرِدَ السَّاحِرُ بِعِلْمِ قُوًى قَتَّالَةٍ ، أَوْ كَلَامٍ مُهْلِكٍ ، أَوْ مُؤَدٍّ إِلَى التَّفْرِقَةِ .

قَالَ : وَقَدْ ج١٤ / ص٣٤٦أَنْكَرَ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ هَذَا الْحَدِيثَ بِسَبَبٍ آخَرَ ، فَزَعَمَ أَنَّهُ يَحُطُّ مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ ، وَيَشُكُّ فِيهَا ، وَأَنَّ تَجْوِيزَهُ يَمْنَعُ الثِّقَةَ بِالشَّرْعِ ، هَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعَةُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الدَّلَائِلَ الْقَطْعِيَّةَ قَدْ قَامَتْ عَلَى صِدْقِهِ وَصِحَّتِهِ وَعِصْمَتِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ ، وَالْمُعْجِزَةِ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ ، وَتَجْوِيزُ مَا قَامَ الدَّلِيلُ بِخِلَافِهِ بَاطِلٌ . فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ أُمُورِ الدُّنْيَا الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ بِسَبَبِهَا ، وَلَا كَانَ مُفَضَّلًا مِنْ أَجْلِهَا ، وَهُوَ مِمَّا يَعْرِضُ لِلْبَشَرِ فَغَيْرُ بَعِيدٍ أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ ، وَقَدْ قِيلَ : إنه إِنَّمَا كَانَ يُتَخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ وَطِئَ زَوْجَاتِهِ وَلَيْسَ بِوَاطِئٍ ، وَقَدْ يَتَخَيَّلُ الْإِنْسَانُ مِثْلَ هَذَا فِي الْمَنَامِ ، فَلَا يَبْعُدُ تَخَيُّلُهُ فِي الْيَقِظَةِ ، وَلَا حَقِيقَةَ لَهُ . وَقِيلَ : إِنَّهُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَهُ وَمَا فَعَلَهُ ، وَلَكِنْ لَا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ مَا يَتَخَيَّلُهُ ، فَتَكُونُ اعْتِقَادَاتُهُ عَلَى السَّدَادِ .

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَقَدْ جَاءَتْ رِوَايَاتُ هَذَا الْحَدِيثِ مُبَيِّنَةً أَنَّ السِّحْرَ إِنَّمَا تَسَلَّطَ عَلَى جَسَدِهِ وَظَوَاهِرِ جَوَارِحِهِ لَا عَلَى عَقْلِهِ وَقَلْبِهِ وَاعْتِقَادِهِ ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : ( حَتَّى يَظُنُّ أَنَّهُ يَأْتِي أَهْلَهُ وَلَا يَأْتِيهِنَّ ) وَيُرْوَى : ( يُخَيَّلُ إِلَيْهِ ) أَيْ يَظْهَرُ لَهُ مِنْ نَشَاطِهِ وَمُتَقَدِّمِ عَادَتِهِ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِنَّ ، فَإِذَا دَنَا مِنْهُنَّ أَخَذَتْهُ أَخْذَةُ السِّحْرِ فَلَمْ يَأْتِهِنَّ ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يَعْتَرِي الْمَسْحُورَ . وَكُلُّ مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَاتِ مِنْ أَنَّهُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ لَم يَفْعَلُهُ وَنَحْوُهُ فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّخَيُّلِ بِالْبَصَرِ ، لَا لِخَلَلٍ تَطَرَّقَ إِلَى الْعَقْلِ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدْخُلُ لَبْسًا عَلَى الرِّسَالَةِ ، وَلَا طَعْنًا لِأَهْلِ الضَّلَالَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ السِّحْرُ ، وَلَهُمْ فِيهِ اضْطِرَابٌ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَزِيدُ تَأْثِيرُهُ عَلَى قَدْرِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِمَا يَكُونُ عِنْدَهُ ، وَتَهْوِيلًا بِهِ فِي حَقِّنَا ، فَلَوْ وَقَعَ بِهِ أَعْظَمُ مِنْهُ لَذَكَرَهُ ، لِأَنَّ الْمَثَلَ لَا يُضْرَبُ عِنْدَ الْمُبَالَغَةِ إِلَّا بِأَعْلَى أَحْوَالِ الْمَذْكُورِ . قَالَ : وَمَذْهَبُ الْأَشْعَرِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عَقْلًا ؛ لِأَنَّهُ لَا فَاعِلَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى ، وَمَا يَقَعُ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ عَادَةٌ أَجْرَاهَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَا تَفْتَرِقُ الْأَفْعَالُ فِي ذَلِكَ ، وَلَيْسَ بَعْضُهَا بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ ، وَلَوْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِقُصُورِهِ عَنْ مَرْتَبَةٍ لَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ ، وَلَكِنْ لَا يُوجَدُ شَرْعٌ قَاطِعٌ يُوجِبُ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا قَالَهُ الْقَائِلُ الْأَوَّلُ ، وَذِكْرُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي الْآيَةِ لَيْسَ بِنَصٍّ فِي مَنْعِ الزِّيَادَةِ ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي أَنَّهُ ظَاهِرٌ أَمْ لَا .

قَالَ : فَإِنْ قِيلَ : إِذَا جَوَّزَتِ الْأَشْعَرِيَّةُ خَرْقَ الْعَادَةِ عَلَى يَدِ السَّاحِرِ ، فَبِمَاذَا يَتَمَيَّزُ عَنِ النَّبِيِّ ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّ الْعَادَةَ تَنْخَرِقُ عَلَى يَدِ النَّبِيِّ وَالْوَلِيِّ وَالسَّاحِرِ ، لَكِنَّ النَّبِيَّ يَتَحَدَّى بِهَا الْخَلْقَ ، وَيَسْتَعْجِزُهُمْ عَنْ مِثْلِهَا ، وَيُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِخَرْقِ الْعَادَةِ بِهَا لِتَصْدِيقِهِ ، فَلَوْ كَانَ كَاذِبًا لَمْ تَنْخَرِقِ الْعَادَةُ عَلَى يَدَيْهِ ، وَلَوْ خَرَقَهَا اللَّهُ عَلَى يَدِ كَاذِبٍ لَخَرَقَهَا عَلَى يَدِ الْمُعَارِضِينَ لِلْأَنْبِيَاءِ . وَأَمَّا الْوَلِيُّ وَالسَّاحِرُ فَلَا يَتَحَدَّيَانِ الْخَلْقَ ، وَلَا يَسْتَدِلَّانِ عَلَى نُبُوَّةٍ ، وَلَوِ ادَّعَيَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ تَنْخَرِقِ الْعَادَةُ لَهُمَا . وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالسَّاحِرِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ ، إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ لَا يَظْهَرُ إِلَّا عَلَى فَاسِقٍ ، وَالْكَرَامَةَ لَا تَظْهَرُ عَلَى فَاسِقٍ ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ عَلَى وَلِيٍّ ، وَبِهَذَا ج١٤ / ص٣٤٧جَزَمَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَأَبُو سَعْدٍ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا .

وَالثَّانِي أَنَّ السِّحْرَ قَدْ يَكُونُ نَاشِئًا بِفِعْلِهَا وَبِمَزْجِهَا وَمُعَانَاةٍ وَعِلَاجٍ ، وَالْكَرَامَةُ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى ذَلِكَ . وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ يَقَعُ ذَلِكَ اتِّفَاقًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَدْعِيَهُ أَوْ يَشْعُرَ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْأَلَةِ مِنْ فُرُوعِ الْفِقْهِ فَعَمَلُ السِّحْرِ حَرَامٌ ، وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَّهُ مِنَ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ ، وَسَبَقَ هُنَاكَ شَرْحُهُ ، وَمُخْتَصَرُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا ، وَقَدْ لَا يَكُونُ كُفْرًا ، بَلْ مَعْصِيَتُهُ كَبِيرَةٌ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ يَقْتَضِي الْكُفْرَ كَفَرَ ، وَإِلَّا فَلَا .

وَأَمَّا تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ فَحَرَامٌ ، فَإِنْ تَضَمَّنَ مَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ كَفَرَ ، وَإِلَّا فَلَا . وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ عُزِّرَ ، وَاسْتُتِيبَ مِنْهُ ، وَلَا يُقْتَلُ عِنْدَنَا . فَإِنْ تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ .

وَقَالَ مَالِكٌ : السَّاحِرُ كَافِرٌ يُقْتَلُ بِالسِّحْرِ ، وَلَا يُسْتَتَابُ ، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ ، بَلْ يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ . وَالْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ ، لِأَنَّ السَّاحِرَ عِنْدَهُ كَافِرٌ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَعِنْدَنَا لَيْسَ بِكَافِرٍ ، وَعِنْدَنَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الْمُنَافِقِ وَالزِّنْدِيقِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَبِقَوْلِ مَالِكٍ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ .

قَالَ أَصْحَابُنَا : فَإِذَا قَتَلَ السَّاحِرُ بِسِحْرِهِ إِنْسَانًا ، وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ مَاتَ بِسِحْرِهِ ، وَأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا لَزِمَهُ الْقِصَاصُ . وَإِنْ قَالَ : مَاتَ بِهِ ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَقْتُلُ ، وَقَدْ لَا ، فَلَا قِصَاصَ ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ ، وَتَكُونُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ لَا عَلَى عَاقِلَتِهِ ، لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ مَا ثَبَتَ بِاعْتِرَافِ الْجَانِي . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا يُتَصَوَّرُ الْقَتْلُ بِالسِّحْرِ بِالْبَيِّنَةِ ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ بِاعْتِرَافِ السَّاحِرِ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ دَعَا ، ثُمَّ دَعَا ) هَذَا دَلِيلٌ لِاسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ عِنْدَ حُصُولِ الْأُمُورِ الْمَكْرُوهَاتِ ، وَتَكْرِيرِهِ ، وَحُسْنِ الِالْتِجَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( مَا وَجَعُ الرَّجُلِ ؟ قَالَ : مَطْبُوبٌ ) الْمَطْبُوبُ الْمَسْحُورُ ، يُقَالُ : طُبَّ الرَّجُلُ إِذَا سُحِرَ ، فَكَنَوْا بِالطِّبِّ عَنِ السِّحْرِ ، كَمَا كَنَوْا بِالسَّلِيمِ عَنِ اللَّدِيغِ .

قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : الطِّبُّ مِنَ الْأَضْدَادِ ، يُقَالُ لِعِلَاجِ الدَّاءِ طِبٌّ ، وَلِلسِّحْرِ طِبٌّ ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَدْوَاءِ ، وَرَجُلٌ طَبِيبٌ أَيْ حَاذِقٌ ، سُمِّيَ طَبِيبًا لِحِذْقِهِ وَفِطْنَتِهِ . قَوْلُهُ : ( فِي مُشْطٍ مُشَاطَةٍ وَجُبِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ ) أَمَّا ( الْمُشَاطَةُ ) فَبِضَمِّ الْمِيمِ ، وَهِيَ الشَّعْرُ الَّذِي يَسْقُطُ ج١٤ / ص٣٤٨مِنَ الرَّأْسِ أَوِ اللِّحْيَةِ عِنْدَ تَسْرِيحِهِ . وَأَمَّا ( الْمُشْطُ ) فَفِيهِ لُغَاتٌ : مُشْطٌ وَمُشُطٌ بِضَمِّ الْمِيمِ فِيهِمَا وَإِسْكَانِ الشِّينِ وَضَمِّهَا ، وَمِشْطٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الشِّينِ ، وَمُمَشِّطٌ ، وَيُقَالُ لَهُ : ( مَشْطَأٌ ) بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ ، وَمَشْطَاءُ مَمْدُودٌ ، وَمُمَكِّدٌ ، وَمُرَجِّلٌ ، وَقَيْلَمٌ بِفَتْحِ الْقَافِ ، حَكَاهُنَّ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَجُبِّ ) هَكَذَا فِي أَكْثَرِ نُسَخِ بِلَادِنَا ( جُبِّ ) بِالْجِيمِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَفِي بَعْضِهَا ( جُفِّ ) بِالْجِيمِ وَالْفَاءِ ، وَهُمَا بِمَعْنًى ، وَهُوَ وِعَاءُ طَلْعِ النَّخْلِ ، وَهُوَ الْغِشَاءُ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، فَلِهَذَا قَيَّدَهُ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ : ( طَلْعَةِ ذَكَرٍ ) وَهُوَ بِإِضَافَةِ طَلْعَةٍ إِلَى ذَكَرٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ : ( وَمُشَاقَةٌ ) بِالْقَافِ بَدَلُ مُشَاطَةٍ ، وَهِيَ الْمُشَاطَةُ أَيْضًا ، وَقِيلَ : مُشَاقَةُ الْكَتَّانُ .

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ : ( ذِي أَرْوَانَ ) وَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ . وَفِي مُعْظَمِهَا ( ذَرْوَانَ ) وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ وَأَصَحُّ . وَادَّعَى ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّهُ الصَّوَابُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَصْمَعِيُّ ، وَهُوَ بِئْرٌ بِالْمَدِينَةِ فِي بُسْتَانِ بَنِي زُرَيْقٍ .

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ ) النُّقَاعَةُ بِضَمِّ النُّونَ الْمَاءِ الَّذِي يُنْقَعُ فِيهِ الْحِنَّاءُ ، وَالْحِنَّاءُ مَمْدُودٌ . قَوْلُهَا : ( فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : ( قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْرِجْهُ ) كِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، فَطَلَبَتْ أَنَّهُ يُخْرِجُهُ ، ثُمَّ يُحْرِقُهُ ، وَالْمُرَادُ إِخْرَاجُ السِّحْرِ ، فَدَفَنَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَافَاهُ ، وَأَنَّهُ يَخَافُ مِنْ إِخْرَاجِهِ وَإِحْرَاقِهِ وَإِشَاعَةِ هَذَا ضَرَرًا وَشَرًّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ تَذَكُّرِ السِّحْرِ ، أَوْ تَعَلُّمِهِ ، وَشُيُوعِهِ ، وَالْحَدِيثُ فِيهِ ، أَوْ إِيذَاءُ فَاعِلِهِ ، فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ أَوْ يَحْمِلُ بَعْضَ أَهْلِهِ وَمُحِبِّيهِ وَالْمُتَعَصِّبِينَ لَهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى سِحْرِ النَّاسِ وَأَذَاهُمْ ، وَانْتِصَابِهِمْ لِمُنَاكَدَةِ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ . هَذَا مِنْ بَابِ تَرْكِ مَصْلَحَةٍ لِخَوْفِ مَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ مِنْهَا ، وَهُوَ مِنْ ج١٤ / ص٣٤٩أَهَمِّ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ ، وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ مَرَّاتٍ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث