بَاب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الْمَشْيِ إِلَى الصَّلَاةِ
حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ ، نا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ الْمُحْرِمِ ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى لَا يَنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ ، وَصَلَاةٌ عَلَى إثَرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلِّيِّينَ . ( مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ ) حَالٌ ؛ أَيْ قَاصِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ مَثَلًا لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ ( مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ ) قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ : أَيْ كَامِلٌ أَجْرُهُ ، وَقِيلَ : كَأَجْرِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ أَجْرٌ كَالْحَاجِّ ، وَإِنْ تَغَايَرَ الْأَجْرَانِ كَثْرَةً وَقِلَّةً أَوْ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً ، أَوْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُسْتَوْفَى أَجْرُ الْمُصَلِّينَ مِنْ وَقْتِ الْخُرُوجِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ ، كَالْحَاجِّ فَإِنَّهُ يُسْتَوْفَى أَجْرُ الْحَاجِّ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ ، وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ إِلَّا فِي عَرَفَةَ . قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ ( الْمُحْرِمِ ) شُبِّهَ بِالْحَاجِّ الْمُحْرِمِ ؛ لِكَوْنِ التَّطَهُّرِ مِنَ الصَّلَاةِ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَامِ مِنَ الْحَجِّ لِعَدَمِ جَوَازِهِمَا بِدُونِهِمَا ، ثُمَّ إِنَّ الْحَاجَّ إِذَا كَانَ مُحْرِمًا كَانَ ثَوَابُهُ أَتَمَّ ، فَكَذَلِكَ الْخَارِجُ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ مُتَطَهِّرًا كَانَ ثَوَابُهُ أَفْضَلَ .
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ، ( وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى ) أَيْ صَلَاةِ الضُّحَى ، وَكُلُّ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ تَسْبِيحَةٌ وَسُبْحَةٌ . قَالَ الطِّيبِيُّ : الْمَكْتُوبَةُ وَالنَّافِلَةُ وَإِنِ اتَّفَقَتَا فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُسَبَّحُ فِيهَا إِلَّا أَنَّ النَّافِلَةَ جَاءَتْ بِهَذَا الِاسْمِ أَخَصِّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّسْبِيحَاتِ فِي الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ سُنَّةٌ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لِلنَّافِلَةِ تَسْبِيحَةٌ عَلَى أَنَّهَا شَبِيهَةٌ بِالْأَذْكَارِ فِي كَوْنِهَا غَيْرَ وَاجِبَةٍ . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ : وَمِنْ هَذَا أَخَذَ أَئِمَّتُنَا قَوْلَهُمُ السُّنَّةُ فِي الضُّحَى فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ مِنْ خَبَرِ أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ انْتَهَى .
وَفِيهِ أَنَّهُ عَلَى فَرْضِ صِحَّةِ حَدِيثِ الْمَتْنِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ لَا عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَا يَكُونُ لَهُ مَسْكَنٌ ، أَوْ فِي مَسْكَنِهِ شَاغِلٌ وَنَحْوُهُ ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَسْجِدِ ذِكْرٌ فِي الْحَدِيثِ أَصْلًا ، فَالْمَعْنَى مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ أَوْ سُوقِهِ أَوْ شُغْلِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى صَلَاةِ الضُّحَى تَارِكًا أَشْغَالَ الدُّنْيَا . كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ هُوَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ ، وَالْقَوْلُ مَا قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِي رَحِمَهُ اللَّهُ ( لَا يُنْصِبُهُ ) بِضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِنْصَابِ وَهُوَ الْإِتْعَابُ ، مَأْخُوذٌ مِنْ نَصِبَ بِالْكَسْرِ إِذَا تَعِبَ ، وَأَنْصَبَهُ غَيْرُهُ أَيْ أَتْعَبَهُ ، وَيُرْوَى بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ نَصَبَهُ أَيْ أَقَامَهُ .
قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ . وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَالْفَتْحِ احْتِمَالٌ لُغَوِيٌّ لَا أُحَقِّقُهُ رِوَايَةً ( إِلَّا إِيَّاهُ ) ؛ أَيْ لَا يُتْعِبُهُ الْخُرُوجُ إِلَّا تَسْبِيحُ الضُّحَى ، وَوُضِعَ الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ مَوْضِعَ الْمَرْفُوعِ ؛ أَيْ لَا يُخْرِجُهُ وَلَا يُزْعِجُهُ إِلَّا هُوَ كَالْعَكْسِ فِي حَدِيثِ الْوَسِيلَةِ ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ . قَالَهُ الطِّيبِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : وَقَعَ الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ مَوْضِعً الْمَرْفُوعِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ يَعْنِي لَا يُتْعِبُهُ إِلَّا الْخُرُوجُ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى ( فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ ) ، فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ سُنَّةٌ . قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ ، ( وَصَلَاةٌ عَلَى إِثْرِ صَلَاةٍ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ثُمَّ السُّكُونِ أَوْ بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ عَقِيبَهَا ( لَا لَغْوٌ بَيْنَهُمَا ) ؛ أَيْ بِكَلَامِ الدُّنْيَا ( كِتَابٌ ) أَيْ عَمَلٌ مَكْتُوبٌ ( فِي عِلِّيِّينَ ) ، فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى رَفْعِ دَرَجَتِهَا وَقَبُولِهَا . قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِي : وَهُوَ عَلَمٌ لِدِيوَانِ الْخَيْرِ الَّذِي دُوِّنَ فِيهِ أَعْمَالُ الْأَبْرَارِ .
قَالَ تَعَالَى : ﴿كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ١٨ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ﴾كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ مَنْقُولٌ مِنْ جَمْعٍ علّيّ فِعِّيلٍ مِنَ الْعُلُوِّ ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَكْرِيمًا ، وَلِأَنَّهُ سَبَبُ الِارْتِفَاعِ إِلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ ، وَالْعِلِّيَّةُ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَالْيَاءِ الْغُرْفَةُ . كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ ، وَقِيلَ : أَرَادَ أَعْلَى الْأَمْكِنَةِ وَأَشْرَفُ الْمَرَاتِبِ ؛ أَيْ مُدَاوَمَةُ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ مَا يُنَافِيهَا لَا شَيْءٌ مِنَ الْأَعْمَالِ أَعْلَى مِنْهَا فَكُنِّيَ عَنْ ذَلِكَ بِعِلِّيِّينَ . انْتَهَى .
وَقَالَ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ : هُوَ اسْمٌ لِلسَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَقِيلَ : لِدِيوَانِ الْحَفَظَةِ تُرْفَعُ إِلَيْهِ أَعْمَالُ الصَّالِحِينَ . وَكِتَابٌ بِمَعْنَى مَكْتُوبٍ . وَمِنَ النَّوَادِرِ مَا حَكَوْا أَنَّ بَعْضَهُمْ صَحَّفَ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : كَنَارٍ فِي غَلَسٍ ، فَقِيلَ لَهُ : وَمَا مَعْنَى غَلَسٍ فَقَالَ : لِأَنَّهَا فِيهِ يَكُونُ أَشَدَّ .
انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : الْقَاسِمُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِيهِ مَقَالٌ .