بَاب التَّشْدِيدِ فِيمَنْ يَرْفَعُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ يَضَعُ قَبْلَهُ
بَابُ التَّشْدِيدِ فِيمَنْ يَرْفَعُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ يَضَعُ قَبْلَهُ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، ثنا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا يَخْشَى أَوْ أَلَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ وَالْإِمَامُ سَاجِدٌ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ . بَابُ التَّشْدِيدِ فِيمَنْ يَرْفَعُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ يَضَعُ قَبْلَهُ ( أَمَا يَخْشَى أَوْ أَلَا يَخْشَى ) بِالشَّكِّ ، وَ أَمَا بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ حَرْفُ اسْتِفْتَاحٍ مِثْلُ أَلَا وَأَصْلُهَا النَّافِيَةُ دَخَلَتْ عَلَيْهَا هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ ، وَهُوَ هَاهُنَا اسْتِفْهَامُ تَوْبِيخٍ ( وَالْإِمَامُ سَاجِدٌ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ( أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ ) أَيْ يُبَدِّلُ اللَّهُ وَيُغَيِّرُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ ( أَوْ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : أَوْ يَجْعَلُ اللَّهَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ ، قَالَ الْحَافِظُ : الشَّكُّ مِنْ شُعْبَةَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَا صَلَاةَ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ .
فَأَمَّا عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : قَدْ أَسَاءَ وَصَلَاتُهُ مُجْزِيَةٌ ، غَيْرُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَأْمُرُونَ بِأَنْ يَعُودَ إِلَى السُّجُودِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَمْكُثُ فِي سُجُودِهِ بَعْدَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ مِنْهُ . انْتَهَى .
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ ، فَقِيلَ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ إِلَى أَمْرٍ مَعْنَوِيٍّ ؛ فَإِنَّ الْحِمَارَ مَوْصُوفٌ بِالْبَلَادَةِ ، فَاسْتُعِيرَ هَذَا الْمَعْنَى لِلْجَاهِلِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ وَمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ ، وَيُرَجِّحُ هَذَا الْمَجَازَ أَنَّ التَّحْوِيلَ لَمْ يَقَعْ مَعَ كَثْرَةِ الْفَاعِلِينَ ، لَكِنْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ وَلَا بُدَّ ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ فَاعِلِهِ مُتَعَرِّضًا لِذَلِكَ ، وَكَوْنُ فِعْلِهِ مُمْكِنًا لِأَنْ يَقَعَ عَنْهُ ذَلِكَ الْوَعِيدُ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلشَّيْءِ وُقُوعُ ذَلِكَ الشَّيْءِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادُ بِالتَّحْوِيلِ الْمَسْخُ ، أَوْ تَحْوِيلُ الْهَيْئَةِ الْحِسِّيَّةِ ، أَوِ الْمَعْنَوِيَّةِ ، أَوْ هُمَا مَعًا ، وَحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ ؛ إِذْ لَا مَانِعَ مِنْ جَوَازِ وُقُوعِ ذَلِكَ ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ وُقُوعِ الْمَسْخِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ فِي الْمَغَازِي ؛ فَإِنَّ فِيهِ ذِكْرَ الْخَسْفِ ، وَفِي آخِرِهِ : وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَيُقَوِّي حَمْلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ : أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ كَلْبٍ ، فَهَذَا يُبْعِدُ الْمَجَازَ ؛ لِانْتِفَاءِ الْمُنَاسَبَةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا مِنْ بَلَادَةِ الْحِمَارِ .
قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِنَحْوِهِ .