بَاب فِي الْمُحْرِمَةِ تُغَطِّي وَجْهَهَا
بَابٌ فِي الْمُحْرِمَةِ تُغَطِّي وَجْهَهَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نَا هُشَيْمٌ نَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا ، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ بَاب فِي الْمُحْرِمَةِ تُغَطِّي وَجْهَهَا ( كَانَ الرُّكْبَانُ ) : بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ الرَّاكِبِ ( يَمُرُّونَ ) أَيْ : مَارِّينَ ( بِنَا ) أَيْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ( مُحْرِمَاتٌ ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ ؛ أَيْ : مَكْشُوفَاتُ الْوُجُوهِ ( فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا ) وَهُوَ بِفَتْحِ الذَّالِ مِنَ الْمُحَاذَاةِ بِمَعْنَى الْمُقَابَلَةِ ؛ أَيْ : قَابَلُوا ( سَدَلَتْ ) أَيْ : أَرْسَلَتْ ( جِلْبَابَهَا ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ بُرْقُعَهَا أَوْ طَرَفَ ثَوْبِهَا ( مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا ) بِحَيْثُ لَمْ يَمَسَّ الْجِلْبَابُ بَشَرَةً . كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . وَقَالَ مُحَدِّثُ الْعَصْرِ مَوْلَانَا مُحَمَّدٌ إِسْحَاقُ الدَّهْلَوِيُّ : أَيْ سَدَلَتْ مُنْفَصِلًا عَنِ الْوَجْهِ ؛ لِئَلَّا يَتَعَارَضَ حَدِيثُ : لَا تَنْتَقِبِ الْمُحْرِمَةُ ( فَإِذَا جَاوَزُونَا ) : أَيْ تَعَدَّوْا عَنَّا وَتَقَدَّمُوا عَلَيْنَا ( كَشَفْنَاهُ ) : أَزَلْنَا الْجِلْبَابَ وَرَفَعْنَا النِّقَابَ وَتَرَكْنَا الْحِجَابَ .
وَلَوْ جُعِلَ الضَّمِيرُ إِلَى الْوَجْهِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ فَلَهُ وَجْهٌ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . وَفِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ : وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ إِذَا احْتَاجَتْ إِلَى سَتْرِ وَجْهِهَا لِمُرُورِ الرِّجَالِ قَرِيبًا مِنْهَا ، تَسْدُلُ الثَّوْبَ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَحْتَاجُ إِلَى سَتْرِ وَجْهِهَا ، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهَا سَتْرُهُ مُطْلَقًا كَالْعَوْرَةِ ، لَكِنْ إِذَا سَدَلَتْ يَكُونُ الثَّوْبُ مُتَجَافِيًا عَنْ وَجْهِهَا بِحَيْثُ لَا يُصِيبُ الْبَشَرَةَ . هَكَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرُهُمْ .
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ خِلَافُهُ ؛ لِأَنَّ الْمَسْدُولَ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ إِصَابَةِ الْبَشَرَةِ ، فَلَوْ كَانَ التَّجَافِي شَرْطًا لَبَيَّنَهُ صلى الله عليه وسلم ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . وَذَكَرَ سَعيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ أَنَّ مُجَاهِدًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ .
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : مُجَاهِدٌ عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلٌ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِمَا مِنْ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَحَادِيثَ مِنْهَا مَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي سَمَاعِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ - أَيْضًا - يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي جَمَاعَةٍ غَيْرَ مُحْتَجٍّ بِهِ ، انْتَهَى .