بَاب فِي الِاسْتِئْمَارِ
بَابٌ : فِي الِاسْتِئْمَارِ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نَا أَبَانُ ، نَا يَحْيَى ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ وَلَا الْبِكْرُ إِلَّا بِإِذْنِهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا إِذْنُهَا قَالَ أَنْ تَسْكُتَ بَاب فِي الِاسْتِئْمَارِ ( لَا تُنْكَحُ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ نَفْيًا لِلْمُبَالَغَةِ أَوْ نَهْيًا . ( الثَّيِّبُ ) : أَيِ الَّتِي فَارَقَتْ زَوْجَهَا بِمَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ وَقَعَ لَفْظُ الْأَيِّمِ مَكَانَ الثَّيِّبِ . قَالَ الْحَافِظُ : ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَيِّمَ هِيَ الثَّيِّبُ لِمُقَابَلَتِهَا بَالْبِكْرِ .
( حَتَّى تُسْتَأْمَرَ ) : أَصْلُ الِاسْتِئْمَارِ طَلَبُ الْأَمْرِ ، فَالْمَعْنَى : لَا يُعْقَدُ عَلَيْهَا حَتَّى يُطْلَبَ الْأَمْرُ مِنْهَا . وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ : تُسْتَأْمَرَ ، أَنَّهُ لَا يُعْقَدُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَأْمُرَ بِذَلِكَ ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ فِي حَقِّهَا بَلْ فِيهِ إِشْعَارٌ بَاشْتِرَاطِهِ . قَالَهُ الْحَافِظُ .
( وَلَا الْبِكْرُ إِلَّا بِإِذْنِهَا ) : أَيْ : وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ إِلَّا بِإِذْنِهَا . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ . قَالَ الْحَافِظُ : عَبَّرَ لِلثَّيِّبِ بَالِاسْتِئْمَارِ وَلِلْبِكْرِ بَالِاسْتِئْذَانِ ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ فَرْقٌ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الِاسْتِئْمَارَ يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِ الْمُشَاوَرَةِ وَجَعْلِ الْأَمْرِ إِلَى الْمُسْتَأْمَرَةِ ، وَلِهَذَا يَحْتَاجُ الولي إِلَى صَرِيحِ إِذْنِهَا فِي الْعِقْدِ ، فَإِذَا صَرَّحَتْ بِمَنْعِهِ امْتَنَعَ اتِّفَاقًا ، وَالْبِكْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ .
وَالْإِذْنُ دَائِرٌ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالسُّكُوتِ بِخِلَافِ الْأَمْرِ ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْقَوْلِ ، وَإِنَّمَا جُعِلَ السُّكُوتُ إِذْنًا فِي حَقِّ الْبِكْرِ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَسْتَحْيِي أَنْ تُفْصِحُ . ( وَمَا إِذْنُهَا ) : وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : وَكَيْفَ إِذْنُهَا . ( قَالَ أَنْ تَسْكُتَ ) : أَيْ إِذْنُهَا سُكُوتُهَا .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبِكْرَ إِذَا أُنْكِحَتْ قَبْلَ أَنْ تُسْتَأْذَنَ ، فَتَصْمُتَ أَنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ كَمَا يَبْطُلُ إِنْكَاحَ الثَّيِّبِ قَبْلَ أَنْ تُسْتَأْمَرَ ، فَتَأْذَنُ بَالْقَوْلِ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ . وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : إِنْكَاحُ الْأَبِ الْبِكْرَ الْبَالِغَ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ تُسْتَأْذَنْ ، وَمَعْنَى اسْتِئْذَانِهَا عِنْدَهُمْ إِنَّمَا هُوَ عَلَى اسْتِطَابَةِ النَّفْسِ دُونَ الْوُجُوبِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ بَاسْتِئْمَارِ أُمَّهَاتِهِنَّ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .