بَاب مَا جَاءَ فِي طَلَبِ الْإِمَارَةِ
حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ ، نا خَالِدٌ ، عَنْ إسماعيل بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَخِيهِ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ قُرَّةَ الْكَلْبِيِّ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ : انْطَلَقْتُ مَعَ رَجُلَيْنِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَشَهَّدَ أَحَدُهُمَا ، ثُمَّ قَالَ : جِئْنَا لِتَسْتَعِينَ بِنَا عَلَى عَمَلِكَ ، فَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَ قَوْلِ صَاحِبِهِ فَقَالَ : إِنَّ أَخْوَنَكُمْ عِنْدَنَا مَنْ طَلَبَهُ ، فَاعْتَذَرَ أَبُو مُوسَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ : لَمْ أَعْلَمْ لِمَا جَاءَا لَهُ ، فَلَمْ يَسْتَعِنْ بِهِمَا عَلَى شَيْءٍ حَتَّى مَاتَ ( الْكَلْبِيِّ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْكِنْدِيُّ . قَالَ فِي الْأَطْرَافِ : بِشْرُ بْنُ قُرَّةَ وَيُقَالُ : قُرَّةُ بْنُ بِشْرٍ الْكَلْبِيُّ انْتَهَى ، وَكَذَلِكَ فِي الْخُلَاصَةِ . وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : بِشْرُ بْنُ قُرَّةَ الْكَلْبِيُّ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الصَّحِيحُ ( عَنْ أَبِي مُوسَى ) : هُوَ الْأَشْعَرِيُّ ( فَتَشَهَّدَ ) : أَيْ خَطَبَ ( إِنَّ أَخْوَنَكُمْ ) : أَيْ أَكْثَرُكُمْ وَأَشَدُّكُمْ خِيَانَةً ( مَنْ طَلَبَهُ ) : أَيِ الْعَمَلُ ( لِمَا جَاءَا ) : بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ ، أَيِ الرَّجُلَانِ .
( فَلَمْ يَسْتَعِنْ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( حَتَّى مَاتَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَخِيهِ ، وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِيهِ ، وَقَالَ : وَلَا يَصِحُّ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى قَالَ : أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ ؛ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي ، وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِي ، وَكِلَاهُمَا يَسْأَلُ الْعَمَلَ ، وَفِيهِ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا .
وَفِيهِ : لَنْ نَسْتَعْمِلَ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ . قَالَ الْمُهَلَّبُ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ تَعَاطَى أَمْرًا وَسَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ أَنَّهُ قَائِمٌ بِذَلِكَ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُخْذَلُ فِيهِ فِي أَغْلِبِ الْأَحْوَالِ ، لِأَنَّ مَنْ سَأَلَ الْإِمَارَةَ لَا يَسْأَلُهَا إِلَّا وَهُوَ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لَهَا . وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وُكِلَ إِلَيْهَا بِمَعْنَى لَمْ يُعَنْ عَلَى مَا تَعَاطَاهُ ، وَالتَّعَاطِي أَبَدًا مَقْرُونٌ بِالْخِذْلَانِ ، وَإِنَّ مَنْ دُعِيَ إِلَى عَمَلٍ أَوْ إِمَامَةٍ فِي الدِّينِ فَقَصَرَ نَفْسَهُ عَنْ تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ ، وَهَابَ أَمْرَ اللَّهِ رَزَقَهُ اللَّهُ الْمَعُونَةَ .
وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي طَلَبِ الْوِلَايَةِ مُجَرَّدًا هَلْ يَجُوزُ أَوْ يُمْنَعُ ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ لِرِزْقٍ يَرْزُقُهُ اللَّهُ أَوْ لِتَضْيِيعِ الْقَائِمِ بِهَا أَوْ خَوْفِهِ حُصُولُهَا فِي غَيْرِ مُسْتَوْجِبِهَا وَنِيَّتِهِ فِي إِقَامَةِ الْحَقِّ فِيهَا ، فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .